الضړبة الهادية بقلم منال علي

​عمر ما اللحظة دي هتتمحي من ذاكرتي.. لما سمعت أختي "إنجي" بتهمس وتقول: "هي لسه متعرفش إننا هنبيع البيت ونقسم الفلوس بيننا." أمي ردت عليها بضحكة مكتومة وقالت: "سيبيها بس تخلص دفع الـ 3 مليون جنيه بتوع التوضيبات الأول." بقلم منــال عــلي 

​كنت واقفة في مطبخي، وبكل هدوء استوعبت إنهم فعلًا فاكرين إني لقمة سايغة، وإني أسهل حد ممكن يضحكوا عليه. مسكت نفسي وما نطقتش بحرف.. وقدمت غدا يوم العيد وكأن كل شيء طبيعي.. بس بعد تلات أيام، لما جوابات المحامي وصلت، النظرة اللي كانت على وشوشهم كانت تستاهل كل تعبي.

كل حاجة اتغيرت بسبب همسة سمعتها صدفة من شباك المطبخ.

​كان فاضل تلات أيام على العيد.. كنت واقفة بحضر صينية الرقاق واللحمة المحمرة، والبيت كله ريحته من خير الأيام اللي كان بابا الله يرحمه بيحبها. وفجأة، سمعت صوت إنجي جاي من الشباك المفتوح سنة صغيرة.

​قالت وهي بتوشوش: "مش قادرة استنى لحد ما آخد نصيبها في الفلوس."

إيدي وقفت مكانها.بقلم منــال عــلي 

وبعد ثانية، أمي ضحكت ببرود: "حقك.. بس بعد ما تخلص دفع الـ 300ألف اللي صرفتهم على البيت."

​في اللحظة دي، النفس انقطع.. السمنة كانت بتنقط من الفرشة وأنا مش حاسة، وكلامهم عمال ينخر في عقلي.

300ألف جنيه! بقلم منــال عــلي 

​كانوا بيتكلموا على الإصلاحات اللي أنا دفعتها من شقايا.. السباكة، والكهرباء، وعزل السطح اللي كان بيبوخ مية. كل "ويك إند" كنت بقضيه وتعبانة ومتربة، وإنجي في الساحل بتقضي إجازتها، وأمي نازلة فيا نقد وتقول لي "انتي مهووسة توضيب ومصاريف ع الفاضي".

​قفلت الشباك بمنتهى الهدوء عشان ما يحسوش بيا.

وكملت الأكل ولا كأن في حاجة حصلت.

لأن الحقيقة كانت.. إنهم فاكرين إني مش واخدة بالي.

​بالنسبة لهم، أنا مجرد البنت الشقيانة اللي بتقضي 12 ساعة في ورديات التمريض وبترجع مهدودة مش قادرة تناهد. افتكروا إني مش شايفة أمي وهي بتستولي على أوضة الضيوف وتخليها أوضتها، ولا إنجي اللي بعد ما خطوبتها اتفصخت، اعتبرت البيت "لوكاندة" وبقت تتكلم بمنتهى الثبات عن بيعه "لما السوق يرفع".

بس اللي مكنوش يعرفوه.. حاجة مهمة جدًا.

​من شهرين بالتمام، كنت قعدت مع المحامي بتاعي.

وصية بابا كانت واضحة: البيت يتورث بالتساوي بيني وبين إنجي.. بس كان في "بند" صغير ومهم، إن أي مصاريف أساسية بيتحملها طرف واحد من الورثة، لازم تتخصم من إجمالي تمن البيت قبل ما الفلوس تتوزع.

​وأنا كنت موثقة كل مليم.

فواتير، تحويلات بنكية، عقود المقاولين.

300ألف جنيه بالتمام والكمال.

​المحامي بتاعي كان جهز الأوراق اللي تخليني أقدر أشتري نصيب إنجي.. بعد ما أخصم منه مصاريف التوضيبات اللي أنا دفعتها لوحدي.

​يوم العيد، كنت بضحك وسطهم وهما قاعدين على السفرة، وإنجي بتهزر على "فلوس البيع والرفاهية"، وأمي بتشكر في المطبخ الجديد اللي مدفعتش فيه مليم.

كانوا عايشين في وهم إن البيت ده هو اللي هيمول حياتهم الجاية.