أطعمته من بقايا طعامها… فغيّرت حياة طفل وأبٍ ثري إلى الأبد


أقرب إلى الدفء منه إلى السكر.
أخذت ليڤيا نفسا عميقا كي لا تبكي ثم أدارت وجهها نحو النافذة الصغيرة. كان القمر شاحبا معلقا في السماء كأنه شاهد صامت على ما يسكن صدرها من إرهاق وكأنه يعرف جيدا كم تحتاج هذه المرأة إلى معجزة صغيرة أو إلى لحظة إنصاف.
قالت دونا ألزيرا بصوت مبحوح أنهكه المړض لكنه ظل ثابتا كإيمانها
الله لا ينسى أحدا يا ابنتي هو فقط يختبر الصبر ليعرف من بقي قلبه مفتوحا رغم القسۏة.
لم تجب ليڤيا. اكتفت بأن أمسكت يد العجوز برفق وكأنها تقول لها إن هذا الإمساك وحده كاف في تلك الليلة.
في صباح اليوم التالي استيقظت ليڤيا على صوت محرك سيارة يتوقف في الزقاق الضيق.
كان الصوت غريبا عن المكان فالحارات الفقيرة لا تعرف السيارات الغريبة ولا يزورها من الخارجين أحد إلا نادرا.
توقفت للحظة ظنت أنها تتوهم ثم عادت فسمعته بوضوح.
فتحت الباب بحذر وقلبها يخفق.
رأت سيارة بسيطة نظيفة لا تشبه سيارات الأثرياء التي تمر مسرعة في الشوارع الكبيرة ولا تشبه أيضا مركبات الحي المتهالكة.
كان فيها شيء من التواضع المقصود وكأن من بداخلها لا يريد أن يفرض حضوره بالقوة.
نزل آرتور دون حراس دون مظاهر فخمة يحمل ظرفا بيده وعلى وجهه شيء مختلف لم تره من قبل مزيج من الحرج والصدق والتعب.
لم يكن رجل الأعمال الذي تظهر صوره في الصحف بل أبا يبحث عن شيء ضاع منه.
قال وهو يقف أمامها
بحثت عنك. لم يكن الأمر سهلا لكنه كان لازما.
ترددت ليڤيا. لم تتراجع ولم تتقدم.
لم تدعه للدخول ولم تطرده.
بقيت واقفة عند الباب تستمع وقد علمتها الحياة ألا تسلم قلبها سريعا حتى وإن بدا الكلام صادقا.
قال آرتور وكأن الكلمات تخرج منه بصعوبة لا لأنه لا يعرف
ماذا يقول بل لأن الاعتراف كان أثقل من صوته
كايكي لم يعد يبتسم إلا وهو يذكر صوتك. يسأل عنك كل ليلة. يقول إنك جعلته يشعر أنه ليس وحده في هذا العالم.
توقف قليلا وأدار نظره بعيدا كأنه يخجل من ضعفه أو يخشى أن تفضحه دمعة على غير عادته. ثم عاد وجمع ما تبقى لديه من شجاعة وأضاف
أريد أن أعرض عليك عملا لرعايته. راتبا عادلا وتأمينا صحيا لوالدتك وشقة قريبة من المدرسة. هذا ليس صدقة بل امتنان وحاجة حقيقية. أنا أحتاجك بقدر ما يحتاجك هو.
لم ترد ليڤيا فورا.
سكن المكان لحظة كأن الزمن نفسه توقف احتراما لهذا القرار الذي يوشك أن يولد.
داخلها كان صراع صامت يدور خوف قديم من الخذلان من الوعود التي تقال ثم تسحب من الأبواب التي تفتح فجأة ثم تغلق بقسۏة وفي الجهة الأخرى أمل خجول ضعيف الصوت لكنه صادق لم يجرؤ بعد على الظهور.
نظرت إلى دونا ألزيرا التي كانت تقف خلفها تمسك إطار الباب بيد ضعيفة أنهكها المړض لكن عينيها
كانتا ثابتتين عميقتين تعرفان الحياة كما هي بلا تجميل ولا قسۏة زائدة.
شدت العجوز على يد ليڤيا وكأنها تنقل إليها شيئا من يقينها وقالت بابتسامة مطمئنة
اقبلي يا ابنتي. الله يفتح الأبواب لمن يفتح قلبه ولا يترك الطيبين وحدهم طويلا.
في تلك اللحظة شعرت ليڤيا بشيء يشبه الراحة لا يشبه الفرح الذي يأتي فجأة ويصخب بل طمأنينة هادئة دافئة كأن الحياة نفسها تميل نحوها وتهمس في أذنها
رأيتك ولم أنسك.
وافقت ليڤيا.
لم تقل كلمة كبيرة ولم ترفع صوتها بل اكتفت بإيماءة صادقة تشبه قرارا نضج بعد طول انتظار قرارا لم يبن على الحلم وحده بل على التعب وعلى الليالي التي قضتها تخشى الغد ولا تجد فيه إلا