رشّها بالماء ليُهينها فحوّلت الإهانة إلى قضية هزّت مدينة كاملة


عن آخرها. وجوه متوترة عيون شاخصة وصمت ثقيل يسبق العرض. حين أطفئت الأنوار ظهرت على الشاشة صورة دافي وهو يبتسم قبل اندفاع الماء بثوان ابتسامة لم تعد بريئة ثم تلاها الصوت الذي حسم كل شيء. حاول دافي أن يتمسك بكلمة مزحة كررها أكثر من مرة لكن صوته المسجل كان يفضحه في كل مرة.
ابتلع ريقه بصعوبة وشعر وكأن حلقه قد ضاق فجأة كأن الهواء نفسه قرر أن يتواطأ ضده. رفع عينيه ببطء نحو ألينه نظرة خالية من التحدي بعيدة كل البعد عن الغرور الذي كان يملأ وجهه في ذلك الصباح بالساحة. وللمرة الأولى منذ اللحظة التي ظن فيها أن الضحك سلاح لم يجد ضحكا يسانده ولا تصفيقا يغطي عليه ولا وجوها تشجعه على الاستمرار. كانت القاعة صامتة صمتا قاسېا ثقيلا صمتا لا يمنح مهربا ولا يترك مجالا للتأويل.
تردد طويلا قبل أن ينطق كأن الكلمات تأبى أن تخرج ثم قال أخيرا بصوت خاڤت فقد حدته ونبرته القديمة أردت أن أهينها. فعلت ذلك لأنني ظننت أنني أستطيع. وحين خرجت الكلمات من فمه لم تبد كاعتراف عابر بل كحكم نطق به على نفسه. بدا للحاضرين ولربما له وحده أنه أدرك فجأة ثقل ما فعل وأن ما حسبه لحظة تفوق تحول إلى لحظة سقوط لا رجعة عنها.
لم يتأخر القرار. جاء هذه المرة واضحا مباشرا لا يحتمل التأجيل ولا المساومة كأنه وضع ليقول إن بعض اللحظات لا تسمح بالحلول الرمادية. فرضت عقۏبة إدارية صارمة وفتح تحقيق رسمي پتهمة عرقلة العدالة وأبعد القائد عن منصبه بعد ثبوت مسؤوليته عن محاولات التستر التي جرت خلف الأبواب المغلقة في مكاتب اعتادت أن تدار فيها الأمور همسا لا إعلانا. لم
يكن القرار نهاية القصة كما اعتقد البعض بل بدايتها الفعلية اللحظة التي انكشف فيها ما كان مخفيا وبدأت الأسئلة التي طال تأجيلها تجد طريقها إلى العلن دون وساطة ولا خوف.
لم تمر الأيام التالية بهدوء كما ظن البعض في البداية. كان في المدينة شيء يتحرك تحت السطح شيء لم يعد يقبل العودة إلى الصمت القديم. ففي الساحة نفسها التي شهدت الإهانة الأولى والتي اعتاد الناس المرور بها دون أن يرفعوا رؤوسهم ڼصب ميكروفون مفتوح بعد أيام قليلة. لم يكن المشهد رسميا هذه المرة ولا منصة خطابات معدة سلفا ولا كلمات منمقة
صيغت بعناية لتقال ثم تنسى بل مساحة اعتراف جماعي وجرأة متأخرة ومواجهة لم يكن أحد متأكدا من قدرته على تحملها.
تقدم أناس عاديون رجالا ونساء لا يحملون ألقابا ولا مناصب بعضهم يتكلم للمرة الأولى أمام جمع وقد ارتجفت أصواتهم كما ترتجف اليد حين تمسك شيئا ثقيلا بعد طول إهمال وبعضهم ظل صامتا لسنوات طويلة حتى كاد ينسى صوته وكأن الكلمات نامت في داخله انتظارا لهذه اللحظة. وقفوا واحدا تلو الآخر وتكشفت حكايات لم ترو من قبل.
رووا قصصا عن إهانات صامتة عاشوها في زوايا المدينة عن مواقف صغروا فيها أمام أنفسهم لأنهم خافوا وعن لحظات آثروا فيها الصمت ظنا أنه نجاة فإذا به يتحول مع الوقت إلى عبء أثقل من المواجهة نفسها. تحدثوا عن نظرات مهينة وعن كلمات جارحة قيلت بلا اكتراث وعن شعور قديم بالعجز تراكم حتى صار جزءا من الحياة اليومية.
كانت الكلمات تخرج مترددة أحيانا متكسرة وغاضبة أحيانا أخرى حادة كأنها تحاول تعويض سنوات من الكبت لكنها في كل مرة كانت صادقة غير قابلة للاسترجاع وكأن من نطق بها يعرف أن هذه