اشترت أرضًا مهجورة وسخر الجميع منها ما وجدته تحت التراب غيّر القرية للأبد


بركة مدفونة في هذه الأرض فأرشدني إليها.
في اليوم التالي اتخذت قرارا يائسا وشجاعا في آن واحد.
إن لم تعط الأرض من سطحها فستبحث في عمقها.
اختارت زاوية من الأرض وبدأت تحفر حفرة كبيرة.
كانت كل ضړبة صراعا مع التربة.
سخر الجيران
إنها تحفر قپرها.
لم ترد.
واصلت الحفر.
وفي صباح ما حين أصبح الحفر عميقا تغير صوت الأرض.
غرست تيريزا المعول وشعرت برطوبة.
ضړبت مرة أخرى.
ثم سمعت صوتا مختلفا.
ماء
بدأ يتدفق ببطء ثم بقوة. صاف حي يصعد من الأعماق.
سقطت تيريزا على ركبتيها مبتلة تضحك وتبكي في آن واحد.
آنا! ماء! لدينا ماء!
نظرت آنا بعينين واسعتين.
من أين جاء يا أمي
من الله يا ابنتي.
في تلك الليلة لم تنم تيريزا.
كانت تنظر إلى النبع وهو يتدفق بلا توقف وتفكر في النساء اللواتي يمشين حاملات الدلاء وفي الأطفال العطشى.
وسألت نفسها سؤالا أثقل من الذهب
هل تحفظ البركة أم تشارك
قررت أن تشاركها.
حفرت قنوات وتركت الماء يجري.
خلال أيام بدأت الحديقة تخضر.
وخلال أسابيع أصبحت أرضها الوحيدة الخضراء في محيط كيلومترات.
تغيرت نظرات الجيران.
عادت دونيا بيترا.
من أين حصلت على الماء
بالحفر عميقا أجابت تيريزا.
هل تبيعينه
هزت تيريزا رأسها.
لا أبيع. من يحتاج فليأت.
انتشر الخبر سريعا.
جاءت عائلات بأكملها تحمل الدلاء.
ولم يعد أحد ېموت عطشا ما دام ذلك الماء يتدفق.
ومع الماء جاء الاحترام.
في أحد الأيام ظهر أنطونيو فلاح بيدين متشققتين.
جئت لأشكرك قال محصولي نجا بفضلك.
أحضر بذورا فاصولياء وذرة مقاومة.
عاد في اليوم التالي ثم الذي بعده.
ساعد أنطونيو في إصلاح البيت لوحا بعد لوح وسقفا بعد سقف كأنما كان يعيد ترميم شيء أعمق من الجدران. لم يكن كثير الكلام لكنه كان حاضرا بثبات يشبه الأرض حين تستقر بعد المطر. كان يعرف متى يعمل ومتى يصمت
ومتى يترك المكان لضحكات الطفلتين.
أحبته آنا حبا فوريا حب الأطفال الذي لا يعرف الحسابات ولا الحذر.
كانت تركض نحوه كلما رأته قادما من بعيد تمسك بيده وتريه ما زرعته أمها أو تحكي له عن حلم رأته في الليل.
أما روزا فكانت تبتسم كلما وقع بصرها عليه ابتسامة صغيرة صامتة لكنها صادقة كأن قلبها الصغير أدرك قبل الكلمات أن هذا الرجل لا يحمل ټهديدا.
كانت تيريزا تراقب كل ذلك من بعيد بقلب متردد.
لم تكن تخشى الحب بقدر ما تخشى الفقد من جديد.
كان جرحها لم يندمل بعد وكانت الذكريات لا تزال ثقيلة لكنها شعرت للمرة الأولى منذ زمن طويل أن صدرها لم يعد موحشا كما كان.
شيء ما بطيء ودافئ بدأ يلتئم.
مرت الشهور ومعها تغير كل شيء.
الأرض التي كانت قاحلة أصبحت خضراء والبيوت التي كانت مغلقة بدأت تفتح والوجوه التي اعتادت الانكسار بدأت ترفع رؤوسها.
ازدهر المجتمع حول النبع كما تزدهر الحياة حول القلب.
لكن الخير لا يمر دائما دون أن يوقظ الطمع.
في صباح جاف وصل رسول يمتطي حصانا يحمل في ملامحه قسۏة السلطة.
قال إن اسمه مرسل من زعيم المنطقة دون أوسيبيو باراغان رجل عرف بنفوذه وبأن يده أطول من العدالة نفسها.
قدم عرضا لشراء الأرض عرضا مغريا على الورق لكنه كان في جوهره ټهديدا مغلفا.
الأرض ليست للبيع قالت تيريزا بهدوء وهي تقف بثبات لم تعرفه من قبل.
لم يجادل الرسول لكنه غادر بنظرة وعد مبطن.
بعد أيام قليلة وصل الإشعار القانوني.
ورقة جافة كلماتها باردة تتحدث
عن دين قديم مزعوم على المالك السابق وعن مهلة لا تتجاوز ثلاثين يوما للإخلاء.
عاد الخۏف لكنه لم يعد كما كان.
هذه المرة لم تكن تيريزا وحدها في مواجهة العاصفة.
القرية كلها شعرت أن ما ېهدد امرأة واحدة ېهدد الجميع.
كتب الكاهن رسائل بخط ثابت لا يطلب فيها معروفا ولا يتوسل بل يذكر فقط بما نسيه