عمري 65 عاماً


الرسالة لن هنا الآن. سامحيني رحيلي بهذه القسۏة. آلمني الأمر أكثر مما تتخيلين. أكن أريدك بي أذبل. أردتك تعيشي بلا قيود دموع. المال لكي ينقصك شيء. كلي عيشي لست بحاجة مسامحتك. فقط تكوني سعيدة. لو حياة أخرى... لاخترتك مجددا. سقطت ركبتي. بكيت كطفلة. أكرهه... بينما يصارع المۏت يرسل شهرا شهر عجزت يداه ذلك. تخلى عني. الحقيقة مختلفة أحبني كثيرا... لدرجة اختار الرحيل وحيدا. صورته مذبح العائلة لمست الإطار ب... احمد الشيخ
تجمدتُ والناس خلفي في الطابور يتذمرون، لكنني لم أكن أسمع شيئاً. 300 ألف؟ من أين؟ هل أخطأ البنك؟ طبعتُ كشف حساب مفصلاً، وذهبتُ للبيت أقرأه بنظاراتي التي غشاها الضباب. كان يودع 5 آلاف شهرياً، وفي بعض الأشهر كان يضع 10 آلاف! وفي يوم ميلادي من كل عام، كان يودع مبلغاً إضافياً وقدره 3700 جنيه.. رقم سنوات زواجنا! سقطت الورقة من يدي.. هل كان يراقبني؟ هل كان يعرف أنني لم ألمس البطاقة؟ ولماذا فعل ذلك وهو الذي غادر المحكمة كأنني نكرة؟ قررتُ أن أكسر صمت الخمس سنوات وأتصل به.. لكن الرقم كان مغلقاً!
ذهبتُ لابني الكبير خالد وسألته عن أبيه. ارتبك خالد وتغيرت ملامحه. قلت له خالد، أخبرني الحقيقة، لماذا كان أبوك يرسل هذه المبالغ؟. خالد خفض رأسه وقال بصوت مخڼوق أمي.. أبي لم يترككِ لأنه لم يعد يحبك، أبي ترككِ لأنه لم يردكِ أن تريه وهو ينهار. اتضح أن طليقي أصيب بمرض الزهايمر في بدايته، وخاف أن يصبح عبئاً عليّ بعد 37 عاماً من الدلال، خاف أن أنسى صورته القوية وأراه وهو ينسى اسمي! فاختار أن ينسحب وهو في كامل كرامته، ويخصص كل ما يملك لتأمين حياتي من بعده.
عرفتُ مكانه.. كان يعيش في دار رعاية راقية، دار هادئة تشبه صمته. ذهبتُ إليه والقلب يدق كطبول الحړب. دخلت غرفته، كان جالساً ينظر إلى النافذة. قلت بصوت مرتعش يا أبو خالد.. أنا ليلى. الټفت إليّ.. كانت عيناه تائهتين، لكن حين استقرت نظراته عليّ، لمعت دمعة وحيدة. همس بصعوبة ليلى؟ هل كفتكِ الثلاثون ألفاً؟ لقد كنت أخاف أن تنتهي قبل أن أتمكن من إرسال المزيد. لقد كان يعيش في عالم موازٍ، يظن أنني ما زلت أحتاج للمال، بينما كنتُ أنا أحتاج فقط لوجوده بجانبي.
عدتُ به إلى البيت، البيت الذي هجره. لكنني اكتشفت أن مرضه لم يكن السر الوحيد. في خزنة صغيرة كان يخفيها، وجدتُ رسائل مكتوبة بخط يده، رسالة لكل شهر قضاه بعيداً عني. في إحدى الرسائل كتب يا ليلى، الطلاق لم يكن نهاية زواجنا، كان طريقتي لأحميكِ من ديون قديمة لأخي، لو بقيتِ على ذمتي، لكانوا حجزوا على بيتك وأموالك.. طلقكِ قانوناً لأحفظ لكِ الأمان، وبقيتِ في قلبي زوجة حتى النفس الأخير. أدركتُ أنني ظلمتُه لسنوات، ظننتُه غادراً، وكان هو المحارب الذي يقاتل في الظل ليحفظ كرامتي.
اليوم، أنا وهو نجلس في نفس الشرفة التي شربنا فيها الشاي طوال 37 عاماً. هو ينسى الأسماء أحياناً، وينسى الأيام، لكنه لا ينسى أبداً أن يمسك يدي كلما رآني. تعلمتُ أن لا أحكم على الظواهر، فخلف كل
جفاء ظاهر قد يختبئ حب عظيم لا يدركه إلا من يملك قلباً صبوراً. ال 300 ألف جنيه وزعتها صدقة جارية باسمنا نحن الاثنين، لأن الأمان الحقيقي لم يكن في البنك.. الأمان كان في ذلك الرجل الذي ضحى بصورته أمام عيني لكي أعيش أنا عزيزة.