في ليلة مطر

الرجل الذي نزل من السيارة لم يرفع صوته.
لم يكن بحاجة لذلك.
مجرد وجوده غيّر كل شيء.
كان طويل القامة، شعره يميل إلى الشيب، يرتدي بدلة سوداء أنيقة، ونظرته باردة لدرجة أنك تشعر أنها تقطع المطر قبل أن ېلمس الأرض.
تقدم نحو السرير المتحرك دون أن ينظر لأحد ومع كل خطوة، كان الصمت يزداد ثِقلاً.
كريم تراجع خطوة للخلف دون أن يفهم لماذا.
صفاء سكتت لأول مرة.
نيرمين أنزلت الهاتف ببطء.
أما ليلى
وعندما رأته يقترب، لأول مرة في تلك الليلة انكسر شيء بداخلها.
لم يكن خوفًا.
بل إرهاقًا
إرهاق سنين.
همست بصوت ضعيف
بابا
كريم شعر وكأن الأرض سُحبت من تحت قدميه.
نظر للرجل
ثم لليلى
ثم للطبيب.
وقال بتلعثم
بابا؟!
كان اسم الرجل
الحاج محمود العزايزي.
واحد من أكبر رجال الأعمال في البلد اسم يخلي ناس كتير تسكت قبل ما تتكلم.
لكنه لم يرد فورًا.
خلع معطفه، وضعه على ساقي ابنته
ثم رفع عينيه ونظر إلى كريم.
لم يكن في وجهه ڠضب.
وده كان أسوأ شيء.
كان فيه هدوء مخيف
هدوء واحد متعود ياخد حقه من غير ما يرفع صوته.
قال للأطباء
بنتي تتنقل فورًا.
وبالفعل، السرير بدأ يتحرك.
كريم حاول يقرب
استنى ليلى، أنا ما كنتش أعرف إنك
لكن أحد الحراس وقف أمامه بهدوء.
لا دفعه
ولا هدده
لكن الرسالة كانت واضحة
خطوة كمان مش مسموح.
صفاء حاولت تتكلم كعادتها
يا فندم، أكيد في سوء تفاهم إحنا استقبلناها في بيتنا و
الحاج محمود بص لها نظرة واحدة
خلتها تسكت.
مش لأنه قاطعها
لكن لأنه لأول مرة حد شافها على حقيقتها.
قال بهدوء
بيتكوا؟
ثم أشار للأكياس المرمية على الأرض
هدوم ليلى المبلولة
وقميص حمل ظاهر منها.
وبعدين بص للدم في إيديها
وأخيرًا ثبت عينه على كريم.
وقال
بنتي دفعت إيجار الشقة سنتين
وسددت ديونك من غير ما تكسرك
وقفلت قروض أنت سميتها استثمارات
وسكتت علشان تحافظ على كرامتك.
وش كريم اصفرّ.
أنا أنا ما كنتش أعرف
رد عليه
وده كان دايمًا مشكلتك
إنك عمرك ما عرفت حاجة مهمة.
اختفت ليلى داخل المستشفى
لكن المرة دي مش كمريضة عادية
دي بقت
ليلى العزايزي.
في الخارج
نيرمين حاولت تتماسك
هي اللي خبت حقيقتها مش ذنبنا.
الحاج محمود بص لها لأول مرة.
وقالت بغلط
أنا كنت بصور علشان لو كدبت
قال بهدوء
كويس كده سجلتي چريمة.
إشارة صغيرة منه
وظهر محامي فجأة، وقال
تم رفع دعوى ضدكم
اعتداء على سيدة حامل،
عڼف أسري،
محاولة إيذاء الجنين،
وتلاعب مالي.
المرة دي
كريم خاف بجد.
مش خوف