رواية جديدة

“أهلي ماخدوش بالهم إني سبت البيت واختفيت لمدة عشر شهور كاملة… لحد ما في يوم بابا كلّمني وقال: تعالي فرح أخوكي… لازم كل حاجة تبقى شكلها مثالي!
وقتها قلت له لأ… فهددني إنه هيحرمني من الميراث…
رديت عليه بجملة واحدة بس… وخلّيته يسكت لأول مرة في حياته.”

عشر شهور كاملة… ولا حد فيهم حس إني مش موجودة.
لا أمي اللي طول الوقت بتنزل بوستات عن الحب ولمّة العيلة…
ولا خالتي اللي دايمًا تتكلم عن الترابط والأصول…
ولا حتى بابا… “الحاج محمود” اللي دايمًا بيقول إنه عارف كل كبيرة وصغيرة في حياة عياله… حتى بعد ما كبرنا وخرجنا من تحت جناحه.

في الفترة دي… أنا غيرت كل حاجة.
سيبت شقتي في شبرا… ونقلت لشقة صغيرة في إمبابة.
الشقة كانت بسيطة… الشبابيك بتدخل هوا ساقع… والدنيا فيها مش كاملة…
بس لأول مرة حسّيت إنها بتاعتي أنا… لوحدي.

غيرت عنواني… شغلي… حتى رقم الشخص اللي أتواصل معاه في الطوارئ…
عملت لنفسي حياة جديدة… هادية… كأني اختفيت من الدنيا.

والمفاجأة؟
ولا حد لاحظ.

في الأول كنت باختبرهم…
بطلت أنا اللي أبدأ الكلام…
بطلت أسأل عليهم…
بطلت أروح تجمعات الأحد اللي كان أخويا “كريم” دايمًا مسيطر فيها على الكلام… وبابا شايفه دايمًا صح مهما قال.

عدت أسابيع… وبعدين شهور…

ولا حاجة.

بعد 4 شهور… الموضوع بقى مُهين.
بعد 6 شهور… بقى دليل.
بعد 10 شهور… الحقيقة بقت واضحة جدًا:
لو اختفيت بهدوء كفاية… الناس اللي بتقول إنها بتحبك… ممكن ما تحسش بغيابك أصلاً.

لحد ما في يوم… الموبايل رن.

بابا.

بصيت له وهو بيرن مرة… واتنين… والتالتة رديت.

“يا ندى…” قالها بطريقة ناشفة… من غير حتى سلام،
“فرح كريم بعد 3 أسابيع… تبقي موجودة من الجمعة علشان البروفة.”

ابتسمت بسخرية وأنا باصة حواليا لشقة عمره ما شافها.
قلت له:
“دي طريقة دعوة غريبة شوية مش شايف؟”

رد ببرود:
“دي عيلة… مش محتاجة دعوة.”

ضحكت ضحكة خفيفة وقلت:
“غريبة… عشان أنت خدت 10 شهور علشان تفتكر إني موجودة.”

سكت لحظة… وبعدين قال بضيق:
“ما تبدأيش الكلام ده… إحنا محتاجينك. أمك قالت للناس إنك جاية… والصور لازم تطلع شكلها حلو… وكريم مش عايز أسئلة.”

الكلام ده وجعني أكتر من أي حاجة…

مش عايزينك علشانك…
عايزينك علشان الشكل.

غمضت عيني وقلت بهدوء:
“مش جاية.”

نبرة صوته اتغيرت فورًا… بقى هادي ومسيطر… نفس النبرة اللي كان بيخوفني بيها وأنا صغيرة.

“خلي بالك يا ندى… العيلة عملتلك كتير. لو إحراجتينا على حاجة تافهة… ما تستنيش تفضلي في الميراث.”

ساعتها… فهمت إن ده آخر كارت عنده.

سيبته يخلص كلامه…
وبعدين رديت بجملة واحدة… جملة هو نفسه ما يقدرش ينكرها: