رواية جديدة

 

“أنت أصلاً لازم تعرف أنا ساكنة فين… علشان تحرمني من أي حاجة.”

سكت.

ثواني طويلة…
مفيش غير صوت نفسه.

ولأول مرة في حياتي…

بابا… ماكانش عنده ولا كلمة يقولها.

وبس كده؟
لا… اللي حصل بعد المكالمة دي… قلب حياتهم كلهم فوق تحت…

قاعة من أفخم قاعات التجمع الخامس... زحمة، إضاءة مبهرة، ومزيكا عالية بتغطي على أي حوار حقيقي، وتفاصيل بتصرخ بكلمة واحدة: "إحنا عيلة مثالية".

​دخلت القاعة متأخرة ساعة كاملة. ماكنتش لابسة الفستان اللي أمي بعتتهولي مع السواق الصبح عشان "يليق بمقام العيلة والصور". كنت لابسة فستاني أنا، بسيط، لونه أغمق من ألوانهم المبهجة المزيفة، بس بيعكس حاجة واحدة: إني مبقتش شبههم، وإني جاية بشروطي.

​أول ما خطيت خطوتين جوة، عيون العيلة كلها اتعلقت بيا. أمي وشها جاب ألوان، حاولت ترسم ابتسامة بلاستيك عشان الناس اللي حواليها مايلاحظوش، وبابا... "الحاج محمود" بصلي من بعيد نظرة فيها وعيد، نفس النظرة اللي كانت بترعبني زمان وبتخليني أستخبى في أوضتي. بس المرة دي، أنا فضلت باصة في عينه ومبتسمة ببرود.

​مشيت بثقة لحد ترابيزة العريس والعروسة. كريم أخويا أول ما شافني، ملامحه اتغيرت بين الراحة (إني جيت وأنقذت الموقف) وبين التوتر. أهل العروسة كانوا واقفين، عيلة تقيلة في السوق، وطول الوقت كان عندهم شكوك ومتحفظين على اختفاء "أخت العريس" المفاجئ، وكانوا مطلعين إشاعات إن العيلة دي مفككة وفيها سر.

​كريم مد إيده يسلم عليا وهو بيجز على سنانه وبيهمس:

"أتأخرتي ليه؟ الباشا حماه كان هيلغي الشراكة اللي بينا بسبب كلام الناس إننا عيلة مقطعة بعضها... اضحكي وبيني إننا سمن على عسل."

​هنا فهمت... أنا مش جاية عشان أخويا بيتجوز، أنا جاية عشان "صفقة الشراكة" تكمل، وعشان صورة العيلة قدام النسايب الجداد.

​في اللحظة دي، بابا قرّب مننا، حط إيده على كتفي بقوة كأنه بيكلبشني، وقال بصوت واطي ومخيف من بين ابتسامته العريضة للناس:

"شاطرة إنك عرفتي مصلحتك... بعد الفرح ترجعي شقتك القديمة ونقفل الصفحة دي، وإلا قسماً بالله ما هتشوفي مليم من الميراث."

​المصور جه وطلب مننا نتجمع عشان "صورة العيلة الكبيرة". العروسة وأهلها وقفوا، وبابا بيشدني عشان أقف في النص بينه وبين كريم.

​سحبت إيدي من تحت إيده بهدوء شديد... خطيت خطوة لورا، وسط الكاميرات اللي بتفلاش، والناس اللي بتبص.

​الصمت نزل على الدائرة بتاعتنا رغم دوشة القاعة.

​بصيت لكريم، وطلعت من شنطتي ظرف صغير مقفول، وحطيته في إيده قدام حماه، وقولت بصوت واضح، هادي، وثابت... صوت يوصل لكل اللي واقفين:

​"ألف مبروك يا كريم... ده هديتي ليك. الظرف ده فيه توكيل رسمي وتنازل قانوني مني عن أي حق ليا في ميراث العيلة، وعن شقتي اللي باسمي، وعن أي حاجة بتربطني بيكم."

​بابا وشه بهت، وملامحه ساحت. حمو كريم (الباشا) عقد حواجبه وبدأ يركز في الكلام.

​كملت كلامي وبصيت لبابا في عينه:

"أنا جيت النهاردة بس عشان أثبتلك يا حاج محمود إن الكارت الوحيد اللي كنت بتهددني بيه، أنا اللي حرقته. إنتوا ماكنتوش محتاجيني، إنتوا كنتوا محتاجين الديكور يكمل عشان الصفقة تمشي... أنا الديكور بتاعي خلص هنا."

​أمي شهقت وحطت إيدها على بوقها، وكريم بص للظرف كأنه حتة جمرة.

​ابتسمت للعروسة اللي كانت مصډومة، وقولتلها برقة:

"خلي بالك من نفسك... وماتخليش حد يطفي نورك."

​ولفيت ضهري، ومشيت.

ماكنتش بهرب المرة دي، كنت بمشي بخطوات ثابتة، والناس بتوسع لي الطريق كأني ملكة متوجة. طلعت من باب القاعة، وضړبت هوا الشارع الساقع في وشي... لأول مرة من 10 شهور، ولأول مرة في حياتي كلها، أخدت نفس عميق وحسيت إني حرة بجد، وإني رجعت لنفسي في شقتي الصغيرة في إمبابة، اللي تسوى عندي قصور الدنيا كلها.