خادمة عمرها 13 سنة دخلت القصر… ثم صُدمت عندما رأت صورتها معلقة على الجدار!


الباكر، كأن سرًّا معلقًا يضغط على الجدران. مشت ليرا بصمت في الممر الطويل، وكان كل وقع لخطواتها كأنه يقرع في صدرها.
ولما فتحت باب المكتب، رأت دونيا فيلينا جالسة خلف مكتب كبير، رافعة حاجبها، تنظر إليها مباشرة. وعلى الجانب كان مانغ أندريس واقفًا، يبدو عليه التوتر، كأنه يضيق بالتنفس.
جلست ليرا على الكرسي المقابل للمكتب. وحتى قبل أن يبدأ الحديث، كانت تشعر بثقل الصمت المشحون بين الثلاثة.
سألتها دونيا فيلينا من جديد، بصوت منخفض لكنه ثقيل
ما الاسم الكامل لأمك؟
أجابت ليرا بتردد
لا أعرف لقبها يا سيدتي. كل ما أعرفه هو اسمي أنا. وقد كانت أمي روزا هي التي ربتني. لكنني لم أعش معها طويلًا لأنها ماټت مبكرًا.
بادرت السيدة بالسؤال
وكيف حصلت عليكِ؟
قالت ليرا
لا أعلم. كنت صغيرة جدًا. منذ وعيت على الدنيا وأنا معها. ولا أتذكر أحدًا غيرها.
ارتجف صوتها وهي تتكلم.
ساد الصمت لحظة، ولم يُسمع سوى صوت الساعة القديمة على الجدار.
وفجأة تكلم مانغ أندريس بصوت مرتعش
سيدتي إنها هي.
التفتت إليه دونيا فيلينا، وعيناها تشتعلان
أأنت متأكد يا أندريس؟
أومأ الرجل العجوز، ثم قال بعد نفس عميق
أنا من رأى الخادمة في تلك الليلة وهي تهرب بالرضيعة. كان ذلك قبل أكثر من ستة عشر عامًا. تبعتها حتى المرفأ، لكنها أفلتت مني قرب الرصيف وسقطت على قارب أحد الصيادين. رأيت تلك الطفلة بعيني وهي هي نفسها.
شعرت ليرا كأن الډم انسحب من وجهها. بردت يداها وقدماها، وأخذ صوت نبضها يعلو في أذنيها. لم تستطع الكلام.
أتكون هي نفسها تلك الرضيعة؟
كيف؟
أهذا ممكن؟
همست بصعوبة
لا ربما أنت مخطئ.
هزّ مانغ أندريس رأسه.
لست مخطئًا. ما زلت أذكر وجهها بوضوح. كانت تحمل ندبة عند الحاجب الأيمن مثل ليرا تمامًا.
رفعت ليرا يدها إلى حاجبها، كأنها لم تنتبه من قبل إلى تلك الندبة الصغيرة التي ترافقها دائمًا.
وقالت دونيا فيلينا بصوت بارد يرتجف
إن كان ما تقوله صحيحًا يا أندريس فهذا يعني
وتوقفت، لكنها لم تكن بحاجة إلى إكمال الجملة. فالمعنى كان واضحًا.
وقفت ليرا، وهي ما تزال ترتجف.
يا سيدتي، أنا لا أفهم ما تقولونه. كل ما أعرفه أنني نشأت في بيت بسيط مع أمي روزا، ولم يخبرني أحد قط أنني اختُطفت.
قاطعتها دونيا فيلينا بسرعة وهي تشير إلى العقد في عنقها
وكيف تفسرين هذا إذن؟ هذا العقد كان ملكًا لابنتي يوم اختفت.
قالت ليرا
لكن أمي قالت إنه كان لها.
فقالت دونيا بحزم
لا. أعرف هذا العقد جيدًا. أنا من اخترته بنفسي قبل أن تولد ابنتي. لا يمكن أن يكون الأمر مصادفة.
شعرت ليرا أن بصرها بدأ يضطرب، وأن الغرفة تدور من حولها. كانت الكلمات التي تسمعها أشبه بقطع متناثرة من أحجية يستحيل تركيبها.
قالت دونيا فيلينا
ستتذكرين كل شيء مع الوقت. لكن قبل ذلك أريد أن أعرف منكِ كل ما تعرفينه عن أمك روزا. من تكون؟ من أين جاءت؟ وكيف عرفتك؟
أغمضت ليرا عينيها وهزّت رأسها.
لا أعرف شيئًا أكثر. كنت صغيرة حين أخذتني إلى البلدة. ولم أعرف أحدًا غيرها.
وتدخل مانغ أندريس مرة أخرى
سيدتي، أتذكر أن الخادمة في تلك الليلة لم تكن وحدها. كان معها رجل يرتدي السواد، وكانا يسرعان نحو القارب. إن استطعنا الوصول إلى ذلك الرجل، فسنكشف الحقيقة كاملة.
قالت دونيا فيلينا بصوت خاڤت لكنه حاد
إن كان كلامك صحيحًا، فنحن مدينون لهذه الفتاة منذ زمن طويل.
ثم نظرت إلى ليرا نظرةً مثقلة بالألم.
ولم تستطع ليرا أن تظل صامتة أكثر، فقالت
لماذا؟ من أكون أنا حقًا؟ ماذا تقصدون؟
أجابت دونيا فيلينا بصرامة
غدًا ستعرفين. عليّ أولًا أن أتأكد من كل شيء.
وخيم الصمت على الغرفة من جديد. كانت ليرا تشعر بأن هناك سرًّا على وشك الانفجار، لكن السيدة ما زالت تكبحه، كأنها تقيس ما إذا كانت الفتاة مستعدة لتحمل الحقيقة.
وعندما خرجت ليرا من المكتب، لم تغادر ذهنها نظرة السيدة ولا عبارة
ابنتي المفقودة.
كأن قوة خفية بدأت تجذبها إلى ماضٍ لم تعرفه يومًا.
وفي صدرها بدأ يتشكل سؤال واحد لا تجد له جوابًا
أأنا حقًا تلك الطفلة؟
وبعد ما قاله مانغ أندريس، لم تضيع دونيا فيلينا الوقت. استدعت فورًا طبيبًا من المدينة لإجراء فحص الحمض النووي. بقيت ليرا جالسة في زاوية الأريكة بصمت، تعبث بطرف تنورتها القديمة. كانت تشعر بثقل العيون الموجهة إليها دونيا فيلينا، وميلا، ومانغ أندريس. كان الجميع ينتظر شيئًا سيغير كل ما تعرفه عن نفسها.
قالت دونيا للطبيب، وصوتها بارد لكنه مرتجف
هل يمكننا أن نبدأ؟
أومأ الطبيب وأخرج أدواته.
سنأخذ فقط عيّنة مسحة من داخل فم الفتاة، ومثلها من حضرتكِ يا سيدتي.
أمسكت دونيا فيلينا بيد ليرا. كانت يدها دافئة وفيها رجفة خفيفة.
لا تخافي. لن يستغرق الأمر وقتًا.
لم تجب ليرا. كانت كأنها معلقة في الهواء، تفكر كيف تبدلت حياتها كلها منذ اللحظة التي رأت فيها تلك الصورة القديمة.
أدخل الطبيب عود المسحة القطني المعقم في فم ليرا، وأداره برفق. شعرت ببرودة غريبة من الأداة. ثم فعل الشيء نفسه مع دونيا فيلينا.
قال الطبيب وهو يضع العينات في وعاء مغلق بإحكام
يمكنكِ الاطمئنان، كل شيء سيبقى سريًا. وقد تستغرق النتيجة من ثلاثة إلى خمسة أيام.
وحين غادر الطبيب، عاد الصمت يهيمن على الصالة. لم يرغب أحد في الكلام، لكن الجميع كانوا يدركون أن كل ثانية من الانتظار ستبدو كأنها عام كامل.
وفي الأيام التالية، لم تعرف ليرا طعم الراحة. كانت تستيقظ صباحًا، وتؤدي أعمالها في القصر؛ تكنس، وتنظف، وترتب المائدة. لكن قلبها لم يكن حاضرًا مع كل ذلك. كان ذهنها يعود دائمًا إلى الريف، إلى البيت الخشبي الصغير، إلى صوت الرجل الذي سمّته أباها منذ طفولتها.
وكانت تهمس في نفسها صباحًا وهي تكنس الفناء
إن كان ما يقولونه صحيحًا فهل يعني ذلك أنه ليس أبي الحقيقي؟
اقتربت منها ميلا، وربتت على كتفها.
يا ابنتي، تناولي الطعام أولًا. لا يصح أن تعملي بلا توقف.
ابتسمت ليرا ابتسامة شاحبة.
شكرًا يا أخت ميلا.
لم تستطع أن تقول لأحد ما يدور في داخلها، حتى لميلا التي أصبحت قريبة منها. كانت تخشى أن ينطق لسانها بشيء فيتغير كل شيء نهائيًا.
وفي إحدى الليالي، بينما كانت مستلقية في غرفة الخدم الصغيرة، كانت تسمع صوت المطر وهو يقرع السقف. ظلت تحدق في السقف طويلاً وهي تفكر في ما سيحدث عندما تظهر النتيجة.
إن صحّ الأمر، فهذا يعني أنني كنت مفقودة عنهم كل هذا الوقت. لكن كيف وصلت إلى أبي؟
أغمضت عينيها، لكن الدموع انهمرت رغمًا عنها. كانت كل قطرة مطر توقظ ذكرى الليالي التي كان أبوها يضمها فيها حين تخاف من الرعد، والصباحات التي كانا يعدان فيها الفطور معًا، وضحكاتهما البسيطة تحت الشمس.
ومرت ثلاثة أيام.
ومنذ الصباح بدا الهواء في القصر أثقل من المعتاد. اجتمع الجميع في مكتب دونيا فيلينا ليرا، وميلا، ومانغ أندريس. كان المكان ساكنًا، لا يُسمع فيه سوى صوت عقارب الساعة القديمة.
ثم طُرق الباب. دخل رجل من العيادة يحمل ظرفًا أبيض عليه ختم المستشفى. ناوله لدونيا فيلينا، فتناولته بيدين مرتجفتين.
قالت باقتضاب
شكرًا.
ثم خرج الرجل، تاركًا وراءه صمتًا أشد وطأة.
جلست دونيا فيلينا تنظر إلى الظرف، وكأنها تريد فتحه مرات كثيرة لكنها تفتقر إلى الشجاعة. وأخيرًا، شقت طرفه ببطء وأخرجت الورقة.
كانت تقرأ، ومع كل سطر كانت ملامح وجهها تلين.