ام المليونير حكايات زهرة

مليوني لسه الفلوس جارية في إيده، زق ست غلبانة بتشحت في السوق عشان يضحّك الشلة اللي معاه.. وماكنش يعرف إنها أمه اللي الحفا أكل رجليها وهي بتلف وراه في الشوارع بقالها 13 سنة..
​الشمس كانت حامية وبتاكل في نفوخ الناس في زحمة "وكالة البلح". دوشة البياعين، خناقات الزبائن على الأسعار، ريحة القلي والتراب المعفر في الجو.. وفي وسط الهيصة دي، ظهرت عربية "مرسيدس S-Class" سوداء فاميه، بتلمع كأنها لؤلؤة وقعت في وسط كومة قش.
​نزل منها "ياسين المنسي".. شاب في أوائل التلاتينات، شياكة "براندات" من ساسه لراسه، وماسك في إيده أحدث آيفون وفي الإيد التانية كوباية القهوة الغالية بتاعته. ياسين ده اللي عرف الجوع ليلاتي وهو عيل صغير، وبقى دلوقتي "حوت" في السوق بفضل دماغه السم وناشفية دماغه.
​كان جاي الوكالة مش عشان يشتري، لا.. ده جاي يعاين حتة أرض ناوي يهدها ويبني مكانها فرع جديد لسلسلة محلاته اللي مكسرة الدنيا ومخلياه تريند على السوشيال ميديا.
​وهو واقف بيشرح للمساعدين بتوعه خططه، عينه وقعت على ست عجوزة قاعدة جنب شوية أقفاص خشب قديمة، وحاطة قدامها علبة بلاستيك فيها فكة بسيطة. كانت رفيعة وهدومها دبلانة، وإيديها بتترعش كأنها شايلة هموم الدنيا فوق كتافها. رفعت عينيها فيه وبصوت يدوب طالع قالتله:
​"جبر خاطر يا بيه.. لقمة ناكلها أنا والزمن."
​ياسين وقف لحظة.. وابتسم بسخرية. هو طول عمره بيحاول يمسح من ذاكرته أي حاجة تفكره بالفقر، وعشان كدة بقى بيكره أي حد بيفكره بماضيه.
​قرب منها وبصوت عالي عشان المساعدين يسمعوا:
"يا ست إنتي، الشارع مش فندق.. قومي شوفي لك شغلة بدل ما أنتي قاعدة مستنية حسنة الناس كدة!"
​واحد من اللي معاه ضحك بـ "خيابة"، والست انكمشت في نفسها كأن سهم دخل في قلبها. قالت بصوت مكسور:
"الدنيا.. ماكتش حنينة عليا يا ضنايا.."
​ياسين وهو ماشي، زقها بكتفه زقة "خفيفة" عشان يعدي، العلبة وقعت والفلوس الفكة طارت في وسط التراب.. ومشي ولا كأنه عمل حاجة.
​اللي ماكنش يعرفه..
واللي عمره ما كان يتخيله لحظة واحدة..
إن الست الغلبانة دي ماكنتش مجرد شحاتة عابرة.
​دي كانت "ستهم".. أمه اللي تاهت منه وهو عنده 8 سنين، وسابته يتربى في الملاجئ وشوارع السيدة زينب. سنين عاش يدور عليها، عمل إعلانات، وسأل في الأقسام، وشغل معاه ناس تدور.. لحد ما يئس، وأقنع نفسه إنها هي اللي سابته ورمته.
​ومع غياب الشمس، كانت "ستهم" قاعدة بتراقبه وهو بيمشي بعربيته، وحاطة إيدها على قلبها والۏجع واكلها. همست بدموع:
​"يا ياسين.. يا ضي عيني.. سامحني يا ابني."
​عرفته من نظرته، من مشيته، من ملامحه اللي نسخة من أبوه الله يرحمه.. بس الكسرة، والخۏف من لبسه وشياكته، والجوع، خلو لسانها يتربط وماقدرتش تنطق اسمه. نزلت دمعة حامية على خدها، واختفت في وسط تراب السوق.
​ماحدش فيهم عرف إن النصيب رجعهم لنفس المكان.. الأم اللي ضيعها العمر، والابن اللي ضيعته الفلوس والمنظرة.
​واللي هيحصل بكرة.. هيفتح چروح قديمة، وهيقلب حياة ياسين لدرجة ماكنش يحلم بيها.....