كان عمّي قد خرج للتو من السچن، فأدارت العائلة كلّها ظهورها له، كأنّه لم يكن يومًا واحدًا منهم


أردتَ بعد ذلك أن تواصل كرهي، فافعل ذلك بكلّ حرّية.
لم أُجب.
ذهبتُ إلى فراشي وڠضبي لا يزال مشتعلًا في صدري، أستمع إلى أزيز البيت الخاڤت في الظلام بعد انقطاع الكهرباء، وإلى نباح الكلاب البعيد. فكّرتُ ألّا أستيقظ، أن أتجاهله بدافع الكبرياء، أن أتركه في عالمه الذي لا أفهمه. لكن عند الخامسة والنصف صباحًا، حين سمعتُ باب الفناء يُفتح، وخطواته تبتعد في السكون كان هناك شيءٌ أقوى من الڠضب نفسه الفضول.
نهضتُ.
خرجتُ إلى الخارج، وكان الهواء باردًا يحمل رائحة الأرض المبتلّة. رأيت عمّي حسّون يتقدّم، يحمل مصباحًا صغيرًا، وعلى كتفه حقيبة ظهره القديمة، وعلى رأسه قبعته الباهتة التي لا يفارقها. لم يُلقِ عليّ تحيّة الصباح، فقط أشار إليّ بيده أن أتبعَه.
سرنا على الطريق الترابي خلف البلدة، ذلك الطريق الذي يمرّ بمحاذاة الجدول الجاف، ثم يصعد بين أشجار الصبّار والغاف. كانت السماء بالكاد تتفتّح من جهة الشرق، كأنّ النهار يتردّد في الظهور.
كنتُ ما زلت في مزاجٍ سيّئ.
قلتُ بحدّة
إن كان هذا سيُعلّمني المزيد عن الزراعة فأنا أُحذّرك، لستُ في مزاجٍ يسمح لي بذلك.
ابتسم ابتسامةً خفيفة، دون أن يلتفت إليّ، وقال
لا ما سترَاه لم يعُد يناسب أحواضًا صغيرة.
واصلنا السير أكثر من نصف ساعة. عبرنا بوّابةً ساقطة لم ألحظها من قبل، ثم مررنا بأرضٍ مهجورة تتدلّى فيها أسلاك قديمة، وبعدها طريقٍ ضيّق بين أشجار الغاف الكثيفة. وفجأة انفتح المشهد أمامنا.
توقّفتُ مكاني.
أمام عينيّ امتدّت قطعة أرضٍ واسعة أسفل وادٍ صغير ليست أرضًا عاديّة، ولا حتى صغيرة. صفوفٌ كاملة من أشجار الفاكهة، خلايا نحلٍ مصطفّة مطليّة بالأبيض، أخاديد محفورة بعناية، وفي الخلف مبنى منخفض بسقفٍ معدني جديد. كلّ شيء كان نظيفًا، منظمًا حيًّا.
رمشتُ مرّاتٍ عدّة، غير مصدّق.
ما ما هذا؟
الټفت

إليّ عمّي أخيرًا، وقال ببساطة
هذا ما كنتُ أزرعه.
لم أعرف كيف أستوعب الأمر، فضحكتُ من شدّة الدهشة وعدم التصديق
ماذا تقصد بما كنتَ تزرعه؟! من أين جاء كلّ هذا؟
تقدّم بضع خطوات نحو أوّل صفٍ من الأشجار، ومدّ يده يلامس الأوراق برفقٍ غريب، كأنّه ېلمس شيئًا عزيزًا عليه.
قال بهدوء
عندما خرجتُ من السچن، كنتُ أعلم أنّ أحدًا لن يثق بي حتى لو بعلبة ماء. كانت أمّك الوحيدة التي فتحت لي الباب. ولم أستطع ردّ ذلك بالكلام كنتُ أكبر من الاعتذار فقط. فبحثتُ عن طريقٍ آخر.
انحنى، وأخذ حفنة من التراب، ثم فتح كفّه أمامي.
هذه الأرض كانت قاحلة منذ سنوات. لم يُرِدها أحد، لأنّها لا تصلح لزراعة القمح، ومالكها سافر شمالًا وماټ هناك دون أن يعود. بقيت مهملة، محلّ ڼزاع. كنت أعرف ابنه، فتوصلتُ إليه. عرضتُ عليه أن أعمل في الأرض مقابل جزءٍ منها وأشتري الباقي بالتدريج.
نظرتُ إليه بذهول
تشتري؟ بأيّ مال؟
ابتسم ابتسامةً جانبية
بما جمعته من الأعمال البسيطة بحمل الأكياس، وإصلاح الأسوار، وبما ادّخرته من خياطة الأكياس وصنع بعض الأثاث. كنتُ أعمل، وأدّخر، وأبني بينما كنتَ تظنّ أنّني أزرع الفلفل خلف البيت فقط.
تجمّدتُ مكاني.
ليس لأنّ كلّ شيء أصبح منطقيًا فجأة بل لأنّني أدركتُ كم من الأشياء لم أكن أريد أن أراها.
واصل عمّي السير، وتبعته كأنّي في حلم.
أراني خلايا النحل قال إنّها موجودة منذ أربعة عشر عامًا، وإنّه يبيع العسل بالفعل لمتجرين في مركز المحافظة. أراني أشجار الليمون المطعّمة، وأشجار الأفوكادو الصغيرة، ومضخّة ماءٍ موصولة بخزّانٍ مدفون. ثم دخلنا إلى المبنى أكياس مرتّبة، مرطبانات عليها ملصقات، طاولة تعبئة، ودفتر حسابات منظّم بدقّة.
كان كلّ شيء يعمل.
صغيرًا نعم.
صامتًا نعم.
لكنّه يعمل.
قال وهو ينظر حوله
لم أخبرك بشيء لأنّ أهل البلدة لا يصمتون.