صوت يحيي الذكريات حكايات صافي هاني

دخلت بنت صغيرة، يدوب لسه بتفطم الدنيا، مسابقة غنا للأطفال. مكانتش شايلة في إيدها غير علبة سمنة قديمة فيها شوية فكة برايز وشلن جمعتهم بطلوع الروح، وكل أملها تكسب الجايزة عشان تلحق تعالج أمها من المړض الۏحش. أول ما وقفت على المسرح وبدأت تغني، القاعة كلها اتكتّم صوتها، ورئيس لجنة التحكيم بالذات جسمه قشعر وكأنه سمع صوت جاي من ذكريات قديمة مدفونة.
يا ماما مټخافيش.. أنا هدخل وهنقذك.
نسمة عندها 10 سنين، عايشة مع أمها التعبانة في أوضة وصالة بالإيجار، وسط كوم فواتير مابتخلصش، وحرّ يخنق، وخوف بيطاردها كل ليلة. في الوقت اللي العيال اللي قدها بيلعبوا في الشارع، كانت نسمة بتلف تلم كانزات وتغسل أطباق في المطاعم وتغني في الأسواق والزحمة، وكل قرش يجيلها كانت بتخبيه في علبة اللبن القديمة تحت السرير.
لما جمعت بالعافية تمن الاشتراك في المسابقة، مابقاش معاها مليم زيادة. دخلت بفستان بسيط مغسول ومكوي، وصوت مهزوز بس قلب حديد مابينكسرش.
جوه القاعة، كانت نمرة غريبة وسط لبس البراندات. أهالي العيال التانية بصولها بقرف، ووشوشوا بعض إنها داخلة تشحت وتكسب عطف الناس. بس نسمة رفعت راسها لفوق وقالت بكلمة واحدة هزت القاعة أنا مش جاية أصعب على حد.. أنا جاية آخد فرصة.
في اللحظة دي، الأستاذ مراد أكتر واحد مابيعجبوش العجب في اللجنة، رفع عينه وبصلها بتركيز. هو طول عمره تقيل، وصعب حد يملى عينه، والكل بېخاف من نقده.
بس أول ما بدأت تغني.. الصدمة لجمت الكل!
نسمة ما غنتش أغنية عادية، دي غنت موال حزين كان بيغنيه حد غالي أوي على مراد من ٢٠ سنة.. حد ضاع منه وميعرفش عنه حاجة. مراد فجأة وقف على حيله، وورقة النتيجة وقعت من إيده وهو بيبص لعلبة السمنة اللي في إيدها بذهول ورعشة مش قادر يداريها..
مراد همس بصوت يدوب مسموع مستحيل.. العلبة دي كانت عندي في بيتي!
تفتكروا إيه علاقة مراد بنسمة؟ وإزاي علبة السمنة دي قلبت كيانه بالشكل 
مراد كان واقف مبرق، والناس في القاعة بدأت تتوشوش، هو الأستاذ مراد ماله؟ جرى له إيه؟. نسمة خاڤت وسكتت، وضمّت علبة السمنة لصدرها أكتر وهي بتترعش. مراد نزل من على المنصة وخطواته تقيلة، وقرب منها لحد ما بقى وشّه في وشّها، وسألها بصوت مخڼوق
يا بنتي.. العلبة دي جبتيها منين؟ واللحن اللي غنيتيه ده.. مين اللي علمهولك؟
نسمة ردت ودموعها نزلت دي علبة ماما يا بيه، كانت شايلة فيها ذكرياتها، واللحن ده هي كانت بتغنيهولي كل يوم قبل ما تتعب عشان أنام.. هي بتقول إنه لحن العيلة.
مراد اتنفض وكأن كهربا لمسته، مد إيده ببطء وفتح غطا العلبة، لقى وسط الفكة ميدالية قديمة مکسورة نصين، محفور عليها حرف M. في اللحظة دي، مراد مقدرش يمسك نفسه ودموعه نزلت قدام الكل.. الميدالية