الطرد حكايات صافي هاني

أمي قالتلي: "أخوك جاي هو وعياله الاتنين يعيشوا معانا، يعني لازم تفضي المكان يا عالة."
رديت عليها: "أنتي بتهزري صح؟"
ضحكت ببرود وقالت: "لا، بتكلم جد."
مردتش عليها ومشيت.. وتاني يوم الصبح، لقيت 53 مكالمة فايتة.
​العشا ليلتها كان "بط ومحمر"، الأكلة اللي أبويا الله يرحمه كان بيحبها. وأمي مكنتش بتعملها إلا لو ناوية "تتعشى بيا" أو بتلف وتدور عشان تطلع مصلحة. المطبخ كله كان تحس إنه مسرحية مترتبة بدقة، وأنا الوحيد اللي مش حافظ النص.
​قالت أمي وهي بتحط الشوكة في الطبق برنة متعمدة: "أخوك إبراهيم راجع البيت يا منى.. الدنيا باظت معاه في السفر ومالوش غيرنا، والبيت ده هو اللي هيلمه هو وعياله."
​قلت بهدوء وأنا صدري بيضيق من القلق: "ينور يا أمي، ده بيته.. نجهز أوضة الضيوف أو حتى يقعد في المكتب مؤقتاً لحد ما—"
​قطعت كلامي بوش خالي من أي تعبير: "لا، العيال محتاجين أوض لوحدهم، وإبراهيم لازم يحس إنه صاحب بيت وسيد قراره تاني. أنتي عندك 33 سنة يا منى، وشغالة ومعاكي قرش، بقالك تلات سنين عايشة هنا بجميلي عليكي.. جه الوقت اللي تعتمدي فيه على نفسك وتسيبي البيت.. ومعاكي لحد آخر الأسبوع."
​حسيت الحيطان بتطبق عليا. لمحت "شوقي"، خطيبها اللي دايماً رشق في حياتنا، واقف في الركن كأنه بيتفرج على فيلم سينما ومستمتع بكسرتي. فكرتها بالبوتاجاز الغالي اللي دفعته من جيبي الشتا اللي فات، وفكرتها بضرايب البيت المتأخرة اللي دفعتها من ډم قلبي وشقا عمري عشان البيت ميتحجزوش عليه ويفضل ساترنا.
​ولا اتهزت. بصتلي في عيني وقالت الكلمة اللي ذبحتني: "أنتي فاكرة لما تساعدي أهلك يبقى ليكي حق في البيت؟ لا يا حبيبتي، أنتي مجرد طفيلية يا منى."
​طفيلية.
​الكلمة دي قلبت الموازين تماماً. أي ذرة ذنب كنت حاسة بيها تجاهها اتبخرت في لحظة. قمت وخرجت من غير ولا كلمة، وفضلت ماشية بالعربية في الضلمة لحد ما أنوار بيتنا اختفت ورايا. ركنت في مكان هادي، وفتحت اللاب توب ودخلت على إيميل العيلة المشترك.
​لقيت اللي مكنتش أتوقعه.. رسائل بينهم تحت عنوان: "تجهيز الأوض".
​إبراهيم كاتب: "أهم حاجة اتأكدي إن منى غارت من البيت قبل ما أوصل أنا والعيال، مش عايز نكدها يبوظ علينا الفرحة."
​ردت عليه أمي: "متشيلش هم يا إبراهيم، بدأت أطردها فعلاً. أول ما تمشي، البيت ده هينضف ويرجع بيت عيلة بجد.. هيبقى ملكنا أخيراً."
​قفلت اللاب توب بالراحة. هدوء غريب نزل عليا، وعقلي اللي متعود يرتب أمور الشغل بدأ يرتب حاجة تانية خالص.. "خطة رد اعتبار".
​هم فاكرين إني طفيلية؟ نسوا أهم قاعدة في الدنيا.. أنا مكنتش الطفيلية، أنا كنت "العامود" اللي شايل السقف ده كله.. ولما العامود يقرر يتهد، السقف كله هيقع فوق دماغ اللي تحته