رواية كامله

اتصلت بي أختي من المطار، وسألتني إن كان زوجي في المنزل.
عندما أجبتها بنعم قالت جملةً جعلتني أرتعش
فمن الرجل الذي صعد الآن إلى طائرة باريس مع امرأةٍ حامل وله نفس ملامح زوجك تمامًا؟
كان فهد جالسًا أمامي في غرفة المعيشة، يقرأ الصحيفة وكأن شيئًا لم يحدث.
فنجان قهوته لا يزال يتصاعد منه البخار
ونعلاه تحت الطاولة كما هما
لكن أختي نورة، مضيفة على الخطوط الجوية، كانت تقسم أنها رأته قبل دقائق على متن طائرة متجهة إلى باريس، برفقة امرأة حامل.
سارة أنا لست مخطئة، همست نورة بصوتٍ متوتر،
رأيته عن قرب نفس الشامة بجانب حاجبه، ونفس النظرة. وعندما طلبت بطاقة صعوده خفّض عينيه كأنه تعرّف عليّ.
شعرتُ بالكوب ينزلق من بين أصابعي.
من باب المطبخ نظرتُ إلى زوجي.
رفع عينيه عن الصحيفة وابتسم.
هل كل شيء بخير يا حبيبتي؟
تلك الابتسامة كانت أكثر رعبًا من أي صړاخ.
لأن فهد لم يكن يقول حبيبتي في الصباح أبدًا.
ابتلعتُ ريقي، وتظاهرت أن المتصلة أمي تسأل عن غداء الجمعة.
أما نورة فكانت تلهث على الطرف الآخر.
لا تتصرفي بغرابة، قالت بسرعة،
ولا تخبريه أني اتصلت الرحلة ستُغلق الآن، سأحاول أن ألتقط صورة.
أغلقت الخط ويدي ترتجف.
طوى فهد الصحيفة بهدوء مريب.
من كان؟
أمي.
آه.
لم يسأل بعدها.
وكان هذا أسوأ ما في الأمر.
فهد الذي عشته معه إحدى عشرة سنة
كان سيمزح، أو يسأل، أو يعلّق.
لكن هذا الرجل اكتفى بالنظر إليّ، ببطء، وكأنه يزن كل ملامحي.
ثم لاحظت شيئًا آخر.
الصحيفة التي يقرأها كانت من الأمس.
وفهد يكره قراءة الأخبار القديمة.
سرتُ نحو الداخل، أشعر وكأن الأرض تميد بي.
في الخارج، كانت الرياض كما هي الضجيج، السيارات، الحياة المعتادة.
لكن داخل منزلي كان كل شيء مشوّهًا، كأن أحدهم نسخ حياتي وغيّر بعض تفاصيلها.
قال بهدوء
تبدين شاحبة.
أنا بخير
اجلسي.
لم يقلها بلطف
قالها كأمر.
دخلتُ الغرفة، تظاهرت بالإرهاق، وأغلقت الباب.
فتحت هاتفي
وصلتني صورة من نورة.
ضغطت عليها.
توقف نفسي.
كان فهد
أو شخص يشبهه تمامًا.
يرتدي بدلة زرقاء، يحمل حقيبة سفر سوداء،
وذراعه حول امرأة شابة، بطنها المنتفخ واضح وابتسامة غريبة على وجهه.
فهد لا يبتسم هكذا.
وكان ينظر مباشرة إلى الكاميرا
كأنه يعلم أن نورة تلتقط له الصورة.
تحتها رسالة
سارة الاسم على التذكرة فهد العتيبي.
لكن المرأة ليست زوجته يبدو أنه مرافق لها طبيًا.
مرافق طبي؟
زوجي لم يذكر يومًا أنه مريض
ولا أنه سيسافر
ولا أنه يعرف امرأة حامل.
ومع ذلك كان يجلس في الخارج، بكل هدوء.
أو أيًّا كان ذلك الذي يجلس هناك.
سمعت خطواته تقترب.
أخفيت الهاتف تحت الوسادة في اللحظة التي فتح فيها الباب.
هل أنتِ بخير فعلًا؟
جلستُ ببطء.
وقف عند الباب لم يقترب.
كان ينظر حوله إلى الغرفة، السرير، وجهي
كأنه يبحث عن شيء.
سأخرج قليلًا، قال.
لدي عمل طارئ.
الآن؟
لن أتأخر.
بدّل قميصه أمامي
أخذ حقيبته الرمادية
ثم التقط حقيبة قديمة من الخزانة،
تلك التي ظننتُ لسنوات أنها مليئة بأوراق لا قيمة لها.
نزل وتبعته بصمت.
رأيته يقف أمام المرآة.
لم يصلح هندامه لم يمشط شعره
لم ينظر إلى نفسه حتى.
فقط همس بجملة خاڤتة
لم تكتشف شيئًا بعد
ثم خرج.
انتظرت عشر ثوانٍ فقط.
ثم ركضت فتحت الخزانة الحقيبة اختفت.
لكن عندما حرّكت صندوق أحذية وجدت مفتاحًا صغيرًا ملصقًا أسفل الرف.
وعليه عبارة بخطٍ مرتجف
لا يُفتح إذا كانت سارة لا تزال حيّة.
تجمّد الډم في عروقي.
لم يكن مفتاح المنزل.
كان لمستودع في قبو المواقف.
نزلتُ حافية، وقلبي يكاد يخرج من صدري.
وصلت إلى القبو رقم 17
أدخلت المفتاح
وفتح الباب.
الرائحة سبقتني.
عطر نسائي
رطوبة
وأوراق قديمة.
في الداخل
عربة طفل جديدة
صناديق ملابس أطفال
وحقيبة سفر
وثلاث صور معلّقة على الجدار.
الأولى يوم زفافي مع فهد.
الثانية فهد مع تلك المرأة الحامل أمام عيادة.
أما الثالثة
فكنتُ أنا.
نائمة في سريري.
الصورة مأخوذة من باب غرفتي.
وضعت يدي على فمي كي لا أصرخ.
ثم رأيت الحقيبة.
فتحتها بيدين مرتجفتين.
مال
جواز سفر
تذكرة إلى باريس
ورسالة مطوية.
لم تكن بخط فهد.
ولم
تكن موجهة