وصيه حماتي ١


لمعة غريبة زي الجمر اللي مستني هبّة ريح عشان ېحرق كل حاجة. عملت كل حاجة كالعادة؛ جهزت العشا، رتبت الصالة، وحضرت له هدوم البيت.. بس المرة دي عملت كل ده وهي زي الآلة، مفيش الحب اللي كان بيخليها تعمل الحاجة وهي راضية.
ليل جه، ودخل محمود البيت، والتعب باين على وشه، بس ابتسم لها ابتسامته العادية. ابتهال مابصتش في عينيه، فضلت مشغولة وهي بتحط الأكل قدامه. محمود قعد ياكل وسط سكوت غريب، هو متعود إن ابتهال هي اللي بتفتح الكلام، هي اللي بتحكي وتضحك وتشيل عنه هموم يومه، بس المرة دي كانت ساكتة خالص.
بعد ما خلص أكل وسند ضهره، ابتهال أخدت نفس طويل، وكتمت دقات قلبها اللي كانت بتجري، وقالت بصوت هادي ومستقر
محمود، هات الفيزا بتاعتك، محتاجة أشتري شوية حاجات ناقصة للبيت بكره.
محمود بص لها باستغراب بسيط، بس مشكش فيها للحظة.. بالنسبة له ابتهال دي الخزنة، الست اللي بتعرف تطلع القرش من بق السبع، واللي كانت بتحرم نفسها من اللقمة ومن الهدوم عشان توفر قرش للبيت وللعيال.
بكل ثقة، طلع المحفظة، وطلع منها الفيزا وحطها قدامها على التربيزة وقال ببساطة
اتفضلي يا أم العيال.. هاتي اللي ناقصكم كله، بس خلي بالك عشان الفيزا عليها ضغط اليومين دول ومصاريف المدارس قربت.
ابتهال بصت للفيزا وبعدين بصت له، ومنطقتش. مقالتش تسلم إيدك زي كل مرة، ولا سألته الميزانية كام؟. مدت إيديها ببطء، أخدت الكارت، وقبضت عليه بصباعها بقوة، كأنها بتمسك حقها اللي ضاع في خدمة ناس مبيطمرش فيهم.
في اللحظة دي، محمود مكنش شايف غير الست المطيعة اللي متعود عليها، مكنش شايف الڼار اللي والعة جواها، ولا لاحظ القسۏة اللي في نظرة عينيها وهي بتفكر في كل مليم في الكارت ده، وإزاي هتبدأ تدلع نفسها لأول مرة في حياتها.. انتقاماً لكل مرة استخسرت في نفسها حاجة عشان خاطره هو وأمه.
قامت ابتهال من مكانها وهو لسه قاعد قدام التلفزيون، مكنش يعرف إن الست اللي كانت بتخدمه برموش عينيها خلاص ماټت، وإن اللي واقفة قدامه دي واحدة تانية خالص، بقرار ملوش رجعة.
تاني يوم الصبح، ابتهال صحيت بدري، بس مكنتش هي ابتهال اللي الكل عارفها. قامت من غير ما تعمل الفطار اللي كانت بتتفنن فيه، ولا صحت حد. لبست عبايتها القديمة للمرة الأخيرة، ونزلت وهي حاطة الفيزا في جيبها زي ما يكون معاها سلاح هتاخد بيه حقها.
راحت عند أقرب ماكينة صرافة، وقفت قدامها وهي بتفتكر كلمة حماتها الهبلة الشملولة. حطت الفيزا وبكل برود، طلبت تسحب الحد الأقصى للسحب اليومي. الماكينة بدأت تطلع الفلوس، وابتهال بتبصلها بانتصار، حست إن كل ورقة بتمسكها هي حتة من صحتها اللي ضاعت في الخدمة.
في نفس اللحظة، محمود كان في شغله، وفجأة موبايله رن