رواية كامله


الرضيع لا يترك أحدًا الكبار هم من يتركون.
تجمّد.
لم تكن جملة عادية.
كانت حكمًا.
كانت مرآة.
شيءٌ في داخله تحرّك.
شيء قديم ربما چرح أو ذكرى أو إحساس بأنه أيضًا، في وقتٍ ما، تُرك.
لم يجب.
لكن الجملة بقيت تدور في داخله.
عندما وصلا إلى القصر، بدأت البوابات الضخمة تفتح ببطء، كأنها لم تفتح منذ زمن.
توقّفت الشاحنة.
نظرت لورينا إلى المكان
واسع.
نظيف.
هادئ بشكلٍ مخيف.
تراجعت خطوة.
لا أستطيع الدخول إلى هنا.
لم يكن رفضًا.
كان شعورًا بأنها لا تنتمي.
نزل كايو أولًا، ثم نظر إليها بثبات
تستطيعين.
لم يقل أكثر.
لكن نبرته لم تترك لها خيارًا.
فتحت الباب ونزلت.
في لحظات، تحرّك المكان.
خادمات يركضن.
أوامر تُعطى بسرعة.
زجاجات تُحضّر.
مياه تُسخّن.
بطانيات تُجلب.
حفاضات تُبدّل.
ولأول مرة منذ ساعات طويلة
بدأ الأطفال يهدؤون.
بكاءٌ يتراجع.
أنفاسٌ تستقر.
أجسادٌ صغيرة تستسلم للنوم.
وقفت لورينا في وسط القاعة الكبيرة
لا تعرف ماذا تفعل.
لا تعرف أين تضع يديها.
ولا أين تضع ألمها.
كان المكان كبيرًا لكن داخلها كان أضيق من أي وقتٍ مضى.
رفعت عينيها إليه.
لماذا تفعل هذا؟
لم يكن السؤال شكًا.
كان دهشة.
نظر كايو إلى الأطفال
ثم إليها.
وقال بهدوء
لأنني أعرف تمامًا ما معنى أن يُترك الإنسان خلف الآخرين.
رفعت عينيها أكثر.
تلك الجملة لم تكن عادية.
كانت صادقة.
تنفّس بعمق، كأن الكلام الذي سيقوله لم يخرج منذ زمن.
هؤلاء التوائم هم أبناء أخي.
سقطت الكلمات
ثقيلة.
مفاجئة.
قاسېة.
شعرت لورينا وكأن الأرض انسحبت من تحت قدميها.
ماذا؟
شدّ كايو فكه، وكأنه يحاول أن يبقى ثابتًا رغم ما يشعر به.
اختفى أخي بعد ۏفاة زوجته.
صمت لحظة.
ثم أكمل
كنت أبحث عن الأطفال منذ أسابيع في كل مكان دون أثر.
نظر إليها مباشرة.
ثم وجدتكِ على طريقٍ مهجور تقاتلين وحدكِ من أجلهم.
وضعت يدها على فمها.
لم تعد قادرة على الكلام.
لم تعد تفهم كيف وصل كل هذا إلى هذه اللحظة.
اقترب خطوة.
وصوته لم يعد فقط حازمًا.
بل ممتنًا.
اليوم لم أجد أبناء أخي فقط.
توقّف.
ثم قال ببطء
وجدتُ الشخص الوحيد الذي لم يتخلَّ عنهم.
في تلك الليلة
لم يكن القصر كما كان.
لم يكن مجرد مكان فاخر.
بل أصبح ملجأ.
ليس مجرد جدران عالية وأثاث فاخر
بل مكانٌ يحتضن ما كان مهددًا بالضياع.
الأطفال نائمون بهدوء
لأول مرة منذ أيام دون خوفٍ يوقظهم دون جوعٍ ينهكهم دون بكاءٍ طويلٍ لا يسمعه أحد.
أنفاسهم الصغيرة منتظمة صدورهم ترتفع وتهبط بطمأنينة وكأنهم أخيرًا وجدوا ما كانوا يبحثون عنه دون أن يعرفوا اسمه.
لورينا جلست في زاوية الغرفة
لم تتحرّك.
لم تتكلم.
فقط تراقبهم.
عينها تنتقل من وجهٍ إلى وجه من يدٍ صغيرةٍ إلى أخرى
كأنها تعدّهم تتأكد أنهم ما زالوا هنا ما زالوا بخير ما زالوا تحت سقفٍ لا ينهار.
كانت تخاف
أن تغمض عينيها
أن تترك نفسها لثوانٍ
فيختفي كل شيء.
كأن ما تعيشه الآن أكبر من أن يُصدّق أو يُطمأن إليه.
أما كايو
فوقف عند الباب.
لم يقترب.
لم يتدخل.
فقط نظر.
لم يكن ينظر إلى الأطفال فقط
بل إلى المشهد كله.
إلى امرأةٍ لا تملك شيئًا
لكنها لم تتخلَّ عن كل شيء.
إلى أربعة قلوب صغيرة
كانت على وشك أن تضيع
أن تُنسى
أن تصبح مجرد قصةٍ أخرى عن الإهمال
لكن قلبًا واحدًا
اختار أن يتمسك بها.
وفي تلك اللحظة
فهم.
فهم شيئًا