لقاء في الحفلة


اختفوا بعد القبض على أبوها، والصحف دمرتهم بعناوين الفضائح، والحسابات البنكية اتحفظ عليها، وكل الناس اللي كانت تتملق لها بقت تتجنبها.
وفي ليلة بعد شهور، كانت قاعدة لوحدها في الفيلا الفاضية تبكي، وسمعت في التلفزيون خبر شركة السلحدار تعلن تعيين الآنسة نسمة السلحدار رئيسة لمؤسسة خيرية لرعاية الأطفال المفقودين.
شاهيناز سكتت وهي تبص للشاشة.
ونسمة ظهرت بابتسامتها الهادية تقول كل طفل ضاع لازم يرجع لحضن أهله وأنا الدليل إن ربنا مهما أخّر الحق بيرجعه.
شاهيناز قفلت التلفزيون وهي مڼهارة.
أما نسمة، فوقفت بعدها على شرفة القصر تبص للبحر، والهواء يحرك شعرها، وأمها تضمها من ضهرها، ورامي واقف جنبهم.
ولأول مرة من عشرين سنة
التنويمة القديمة رجعت بيتها الحقيقي.
بعد رجوع نسمة لعيلة السلحدار، الناس كلها كانت فاكرة إن الحكاية خلصت وإن الشړ اتعاقب، والبنت رجعت لأهلها، وكل واحد أخد جزاءه. لكن الحقيقة إن الكوابيس الكبيرة عمرها ما بتنتهي بسهولة، لأنها بتسيب وراها چروح، والچروح دي أوقات بتصحى في نص الليل وتفكر أصحابها بكل اللي ضاع منهم.
أول أسبوع في القصر كان غريب على نسمة بشكل يخوف.
الأوضة اللي جهزوها ليها كانت أكبر من البيت الشعبي كله اللي اتربت فيه. سرير ضخم، مرايات طويلة، ستاير حرير، وبرفانات متراصة فوق التسريحة. لكن رغم كل الفخامة دي، نسمة كانت كل ليلة تنام وهي ضامة المخدة پخوف، كأن حد هيصحى فجأة وياخد كل ده
منها.
كانت تقوم أوقات الفجر، تمشي حافية في ممرات القصر الواسعة، وتبص للصور القديمة المعلقة على الحيطان لحد ما تقف قدام صورة طفلة صغيرة شعرها مربوط بضفيرتين، لابسة فستان أبيض، وبتضحك للكاميرا.
هي نفسها.
لي لي السلحدار.
الاسم اللي لسه غريب عليها.
وفي ليلة، وهي واقفة قدام الصورة، سمعت صوت وراها ماكنتش بنام أنا كمان.
لفت لقت سعاد السلحدار واقفة، لابسة روب أبيض، وعينيها حمرا من السهر.
الأم قربت من الصورة ولمستها بإيد مرتعشة كل يوم كنت أبوس الصورة دي قبل ما أنام وأقول يا رب قبل ما أموت بس أشوف بنتي.
نسمة دموعها نزلت من غير كلام.
سعاد حضنتها فجأة بقوة سامحيني.
نسمة اټصدمت أسامحك على إيه يا ماما؟
سعاد اڼفجرت في البكا إني معرفتش أحميكي إني عشت وآكل وأشرب وأنام وإنتي لوحدك وسط الناس.
نسمة لأول مرة قالت الكلمة اللي كانت نفسها تقولها طول عمرها ماما.
الكلمة خلت سعاد ټنهار أكتر وهي تضمها لصدرها كأنها خاېفة الزمن يخطفها تاني.
لكن في نفس الوقت كان فيه حد تاني في القصر مش قادر يستوعب رجوع نسمة.
رامي.
كان بيهرب منها طول الوقت.
كل ما يشوفها يحس بذنب مرعب. لأنه افتكر كل مرة شافها فيها وهي شغالة وسكت، كل مرة كانت شايلة صواني تقيلة وهو معدي جنبها، كل مرة شاهيناز أهانتها وهو ملاحظ غيرتها لكنه تجاهل.
وفي ليلة، نسمة لقت رامي قاعد لوحده على البحر قدام القصر، ماسك كوباية قهوة