في سن الثانية عشرة كشفتُ سر أمي… وبعد سنوات اكتشفتُ الحقيقة التي أخفاها الجميع عني


الطاولة وكأن الأرض سحبت من تحت قدميه.
غطت مي فمها بيدها.
وبدأت نور تبكي بصمت، كما كانت تفعل وهي صغيرة حتى لا تزعج أحدًا.
قال أبي
سامحيني.
لكن في تلك الليلة، لم يجد اعتذاره مكانًا يجلس فيه.
في الصباح التالي، أخذت المترو إلى المعادي.
أصرت نور أن تأتي معي.
أما مي فلم تستطع.
قالت إنها لو جاءت، ستصرخ في وجه أحدهم حتى يضيع صوتها.
حاول أبي أن يرافقنا.
لكنني قلت له لا.
لأول مرة في حياتي، لم يكن من حقه أن يقرر كيف يجب أن تؤلمني الحقيقة.
خرجنا من شبرا والسماء ما زالت باهتة.
كانت القاهرة تستيقظ ببطء.
باعة الشاي، عربات الفول، زحام الميكروباصات، ووجوه الناس التي تحمل تعب الصباح قبل أن يبدأ اليوم أصلًا.
في الطريق، كانت نور تنظر من النافذة بصمت.
ثم سألتني
تفتكري هتستقبلنا؟
نظرت إلى الرسالة بين أصابعي.
مش عارفة أنا أصلًا هقدر أستقبلها ولا لا.
وصلنا إلى المعادي قرب الظهر.
الشوارع هناك أهدأ من شبرا، لكنها لم تكن غريبة.
أشجار قديمة، عمارات متوسطة، محلات صغيرة، ناس تسير بسرعة، ورائحة قهوة خارجة من كشك قريب.
مشينا في شارع جانبي حتى وصلنا إلى العنوان.
كان الكوافير هناك.
ستارة وردية.
لافتة باهتة.
وأصيص زرع صغير بجانب الباب، نصفه يابس ونصفه ما زال يحاول الحياة.
شعرت بالغثيان.
أمسكت نور يدي.
مش لازم تدخلي لوحدك.
دفعت الباب.
رن جرس صغير فوق رؤوسنا.
في الداخل، كانت الرائحة خليطًا من صبغة الشعر، والأسيتون، وشامبو رخيص.
كرسيان.
مرآة كبيرة أطرافها قديمة.
زجاجات طلاء أظافر مرتبة حسب الألوان.
وراديو صغير يشغل أغنية قديمة لعبد الحليم.
كانت امرأة منحنية تجمع فوطًا من الأرض.
قالت دون أن تنظر إلينا
ثواني يا حبيبتي وجاية.
ثم رفعت وجهها.
وسقطت الفوط من يدها.
لم تصرخ.
لم تركض
نحوي.
لم تحتضني.
وقفت فقط تنظر إليّ كأن طفلة خرجت من الماضي ودخلت عليها بزي المدرسة القديم.
قالت بصوت مبحوح
سارة.
كان صوتها نفسه.
أكثر تعبًا.
أكثر خشونة.
لكنه نفسه.
تخيلت هذه اللحظة ألف مرة.
مرة أصرخ في وجهها.
ومرة تركع هي وتطلب السماح.
ومرات أسوأ أركض إلى حضنها وكأن شيئًا لم يحدث.
لكنني لم أفعل أي شيء من ذلك.
أخرجت الرسالة ووضعتها فوق طاولة صغيرة عليها مجلات قديمة.
قلت
قرأتها متأخرة تسع سنين.
أغمضت أمي عينيها.
حسام.
قلت بسرعة
ما تبدئيش به. ابدئي بنفسك.
أومأت ببطء.
خلعت المريلة.
كانت يداها ملطختين بصبغة سوداء قرب الأظافر.
لم تكن يدي المرأة المرتبة التي غادرتنا بحقيبة حمراء.
لكنها كانت نفس اليدين اللتين صففتا شعري يوم حفلة الربيع وأنا صغيرة.
وهذا أغضبني أكثر.
لأن الجسد يتذكر حتى عندما نرفض نحن التذكر.
قالت
أنا ما مشيتش بسببك.
ضحكت.
لكن لم يكن في داخلي أي ضحك.
شكرًا يا ماما. كرم كبير إنك توضحي ده بعد كل السنين دي.
تحملت الجملة.
قالت
أنا كنت على علاقة بسامح من شهور. أنا وأبوك كنا بعيدين عن بعض، لكن ده ما يبررش حاجة. أنا كذبت. أنا خنت ثقة البيت. أنا كنت الكبيرة.
قلت
وحملتيني الذنب.
ارتجف ذقنها.
آه.
تلك الكلمة فعلت أكثر مما كانت ستفعله ألف حجة.
بكت نور خلفي.
نظرت أمي إليها بحنان وصل متأخرًا جدًا.
نور
قالت نور وهي تمسح دموعها
لا. ما تكلمينيش بحنية دلوقتي.
خفضت أمي رأسها.
في تلك اللحظة، دخل ولد صغير بزي المدرسة، يحمل شنطة زرقاء وكيس عيش في يده.
كان عمره حوالي إحدى عشرة سنة.
توقف عندما رآنا.
كانت عيناه عيني أمي.
كان الخبر صحيحًا.
انقبض صدري بطريقة جديدة.
أكثر قسۏة.
سأل الولد
مين دول؟
مسحت أمي يديها في المريلة.
كريم، روح عند طنط عفاف شوية.
دول زباين؟
لم يرد أحد.
نظر الولد إلى نور، ثم إليّ.
وفهم شيئًا ما.
ربما من الشبه.
وربما من الصمت.
ترك كيس العيش على الكرسي وخرج دون أن يعترض.
شعرت أنني عدت إلى سن الثانية عشرة.
قلت
هو ده اللي ربيتيه.
وضعت أمي يدها على صدرها.
آه.
هو ده اللي عملتيله سندوتشات، وراجعتي له واجباته، واشتريتي له جزمة المدرسة، وروحتي حفلاته.
قالت بصوت مكسور
آه.
وإحنا سيبتينا.
قالت
آه.
كل آه كانت حجرًا.
لكنها على الأقل لم تعد تبني كڈبة فوق