قالوا إن بنتي ماټت في كوريا


الرسالة التي وصلتني في رمضان
فقد أرسلتها ملك سرًا بعدما وجدت الهاتف مخبأ داخل درج قديم.
طفلة صغيرة
كانت تحاول إنقاذ أمها وحدها.
حين عرفت ذلك
انهرت بالبكاء لأول مرة منذ وصولي.
احتضنت ملك بقوة.
أما هي فكانت تبكي وتردد
كنت خائڤة أن ټموت ماما فعلًا
وفي تلك الليلة
جلست وحدي خارج غرفة العناية.
أنظر عبر الزجاج إلى ابنتي النائمة.
وأفكر في شيء واحد فقط.
كم مرة كانت فريدة تحتاجني وأنا بعيدة؟
وكم مرة بكت وحدها خلف ذلك الباب المغلق بينما العالم كله يصدق أنها ماټت؟
لكن الحقيقة الوحيدة التي كنت أعرفها الآن
أن ابنتي ما زالت تتنفس.
وأنني لن أسمح لأحد أن يأخذها مني مرة أخرى.
مرّت الأسابيع الأولى بطيئة
بطيئة لدرجة أنني كنت أسمع صوت تعب فريدة في كل حركة تقوم بها.
حتى الجلوس كان يؤلمها.
كانت تحاول أن ترفع جسدها قليلًا عن السرير، ثم ترتجف وكأن عظامها نسيت كيف تحملها.
وفي كل مرة تفشل
كانت تنظر إليّ بخجل يشبه خجل الأطفال.
فأقترب منها فورًا.
أرفع الوسادة خلف ظهرها.
وأقول لها كما كنت أقول وهي صغيرة
بهدوء يا ماما واحدة واحدة
فتبتسم بحزن.
ثم تبكي.
وكان بكاؤها يؤلمني أكثر من مرضها.
لأن فريدة لم تكن تبكي فقط بسبب الألم
كانت تبكي لأنها أدركت كم سنة ضاعت منها وهي محپوسة داخل خوف لا ينتهي.
في المستشفى أصبحت أيامي تشبه بعضها.
أستيقظ قبل الفجر.
أعدّ لها الحساء الخفيف.
أمشّط شعرها ببطء.
وأجلس قرب النافذة أراقب الثلج وهو يغطي شوارع سيول الباردة.
أما الأطفال
فبدأوا يقتربون مني يومًا بعد يوم.
في البداية كانوا صامتين.
يتحركون داخل الغرفة بحذر، كأنهم يخشون أن يغضب أحد فجأة.
لكن بعد اختفاء السيدة تشوي
بدأ شيء يتغير داخلهم.
لم يعودوا يقفزون پخوف كلما فُتح الباب.
ولم تعد ملك تخفي الطعام داخل حقيبتها الصغيرة.
اكتشفت ذلك بالصدفة.
وجدت قطع خبز يابسة ومناديل مليئة بالبسكويت داخل حقيبتها.
سألتها بلطف
لماذا تخبئين الطعام يا حبيبتي؟
ارتبكت فورًا.
ثم همست
أخاف ألا نجد طعامًا إذا ڠضبت جدتي
شعرت بشيء يعتصر قلبي.
طفلة صغيرة تعيش وكأنها تستعد للمجاعة في أي لحظة.
احتضنتها بقوة.
وقلت
لن يجوع أحد بعد اليوم أعدك.
في تلك الفترة بدأت الشرطة تحقق رسميًا مع السيدة تشوي.
رأيتها مرة واحدة فقط بعد توقيفها.
كانت تمر في ممر المحكمة بين شرطيين.
بمعطفها الأنيق نفسه.
ورأسها مرفوع كعادتها.
لكن لأول مرة
لم يكن أحد ېخاف منها.
حتى الأطفال.
وقفوا ينظرون إليها بصمت.
ثم اختبأ حمزة خلفي تلقائيًا.
أما ملك
فقط ظلّت تحدق فيها طويلًا.
كأنها تحاول فهم كيف يمكن لشخص كان يملأ البيت رعبًا أن يبدو الآن عاديًا إلى هذا الحد.
حين اختفت السيدة تشوي داخل غرفة التحقيق
تنفست ملك لأول مرة براحة حقيقية.
سمعتها تهمس بالعربية
راحت؟
أومأت لها.
فأغمضت عينيها وكأن حملًا ثقيلًا انزاح أخيرًا عن صدرها.
أما فريدة
فكانت تتعافى ببطء شديد.
تعلمت كيف تجلس وحدها.
ثم كيف تمشي خطوات قصيرة.
ثم كيف تأكل دون أن ترتجف يدها.
وفي كل خطوة كانت تنظر إليّ وكأنها تستمد مني الشجاعة.
ذات صباح
كنت أساعدها على تمشيط شعرها الجديد القصير.
فقالت فجأة
نسيت شكل نفسي القديمة
توقفت يدي.
ثم قلت بهدوء
المهم أنكِ ما زلتِ هنا.
نظرت إليّ طويلًا.
ثم انزلقت دمعة صامتة على خدها.
في أحد الأيام، أخذتنا موظفة السفارة الأردنية، إيمان، إلى سوق غوانغجانغ.
كان المكان مزدحمًا بالبخار والروائح الغريبة.
باعة ينادون بلغات لا أفهمها.
وأطعمة لم أرها في حياتي.
أما الأطفال
فكانوا يركضون حولي بحماس للمرة الأولى.
ضحكاتهم كانت جديدة عليّ.
كأنني أسمع طفولتهم الحقيقية لأول مرة.
اشترينا بعض الخضار.
ولحمًا.
وأرزًا.
وحاولت أن أجد أي شيء يشبه مكونات المنسف.
ضحكت إيمان وهي تراني أتذمر من كل شيء.
قلت لها
كيف يعيش الناس بلا جميد؟
ضحكت أكثر.
لكنني كنت أتكلم بجدية كاملة.
وفي تلك

الليلة
طبخت المنسف داخل الشقة الصغيرة التي استأجرناها قرب نهر الهان.
لم يكن الطعم مثاليًا.
اللبن مختلف.
والأرز مختلف.
وحتى رائحة المطبخ لم تكن تشبه بيتنا في عمّان.
لكن حين امتلأت الغرفة بالرائحة
توقفت فريدة فجأة.
وضعت يدها فوق صدرها