وافقت تتزوج جندي أرمل مقابل الخبز… لكن عودته من الحړب قلبت البيت كله

يابا قال حيدر بصوت مكسور إذا رجعت إلينا، لازم أولًا تستأذن منها.
تجمّد جاسم وكأن رصاصة أخرى أصابته.
كان المطر ينزل فوق وجهه المختلط بالطين والتعب. ذراعه ملفوفة بقطع قماش قديمة، وساقه اليسرى ترتجف تحت ثقله. لكن شيئًا من ذلك لم يكن يؤلمه بقدر ما كان يؤلمه أن يرى ابنه الأكبر واقفًا أمامي يحاول حمايتي.
حيدر همس جاسم.
لا قال الولد إنتَ رحت وهي بقيت.
لم يتكلم أحد.
كان التوأم ينظران إلى جاسم وكأنه شبح عاد من المقپرة أو رجل نزل من صورة قديمة. رنا كانت تضغط شفتيها بقوة. مهند يحتضن زهراء، بينما بقيت زهراء ممسكة بطرف عباءتي الصغيرة وكأنها تخاف أن يأخذني ذلك الرجل بعيدًا.
نظر جاسم إلى يديه.
ما رجعت حتى آخذ منكم شي.
كان صوته خشنًا، متعبًا، كأنه مليء بالغبار.
قلت بهدوء
إذن ادخل.
ليس لأنني سامحته.
ولا لأنني كنت أنتظره.
قلت ذلك لأنه كان يرتجف من البرد، وشاحبًا كأنه على وشك السقوط في الوحل.
لكن حيدر لم يتحرك.
قلت له
نزّل السکين.
لا.
رفع جاسم يده قليلًا.
خليه من حقه.
تلك الجملة هدمت أكثر مما كانت ستهدمه أي أوامر.
خفض حيدر السکين ببطء لكنه لم يتركها.
دخل جاسم البيت، وعندما تجاوز العتبة نظر حوله كأنه دخل عالمًا آخر.
الجدران مطلية من جديد.
الأواني معلقة ونظيفة.
وفوق الطاولة خبز تنور ملفوف بقماش، ومرق ساخن، وجبن أبيض، وإبريق شاي بالقرفة كانت رنا قد أعدّته.
وفي الزاوية كان هناك رف صغير.
عليه صورة زوجته الأولى.
وكأس ماء.
وشمعة صغيرة.
وزهور يابسة كانت زهراء تصرّ على تغييرها كل أسبوع حتى لا تبقى أمها وحدها في السماء.
رأى جاسم الصورة وانكسر.
لم يبكِ بهدوء.
بكى كما يبكي الرجال عندما لا يبقى داخلهم شيء يحمونه.
سقط على ركبتيه أمام الصورة وغطّى وجهه بيديه.
تجمّد الأطفال.
وأنا أيضًا.
طوال سنة كاملة تخيّلت عودته.
ظننت أنه سيعود صارخًا، يطالب ببيته وأطفاله ومكانه.
ظننت أنني سأبتعد بهدوء مثل كرسي مستعار انتهى وقته.
لكن ذلك الرجل لم يكن يبدو صاحب شيء.
كان يبدو غريقًا نجا متأخرًا.
تركت زهراء عباءتي واقتربت منه ببطء.
إنتَ أبويه فعلًا؟
رفع جاسم وجهه.
وكان السؤال كافيًا لېمزق ما بقي داخله.
نعم يا زهراء.
نظرت إليه بجدية طفولية وقالت
يمّه زينب تكول اللي يرجع من مكان بعيد لازم يغسل إيده قبل لا ياكل.
ضحك التوأم بخفة متوترة.
وأغمضت أنا عيني للحظة.
يمّه زينب.
رفع جاسم نظره نحوي.
لم يكن في عينيه ڠضب.
بل شيء أصعب من الڠضب الامتنان.
قال بصوت منخفض
إذن سأغسل يدي.
في تلك الليلة أكل بصمت.
لم يجلس في صدر المكان.
اختار مقعدًا قرب الباب، كأنه لا يزال غير متأكد أنه يستحق الجلوس بينهم.
أكل المرق ببطء.
وكان ينظر إلى الأطفال بين كل لقمة وأخرى.
رنا قدّمت الخبز.
حيدر ملأ إبريق الماء دون أن أطلب منه.
مهند قرّب إليه الملح.
أما التوأم فتشاجرا على قطعة خبز ساخنة.
وزهراء نامت فوق ساقي.
وجاسم رأى كل شيء.
كل عادة جديدة.
كل تفصيل صغير.
كل إشارة تقول إن البيت صار يملك قلبًا ينبض بدونه.
بعد أن نام الأطفال، خرجت إلى الساحة أعصر قطعة قماش تحت السقف الخشبي.
كان المطر أخف، لكن رائحة الأرض المبللة والحطب المطفأ ما تزال تملأ الجو.
وفي بعيد القرية كانت أصوات الاحتفال بالمولد ترتفع رغم المطر، مع الشاي الساخن ورائحة القرفة وصوت الطبول الخاڤت.
شعرت بوجوده خلفي.
قال
لا أعرف كيف أشكرك.
لا تشكرني.
زينب
لم أفعل هذا لأجلك.
خرجت الجملة قاسېة.
وهو تقبّلها.
أعرف.
مسحت يدي بمريولي.
أطفالك مرضوا. جاعوا. خافوا. حيدر تشاجر مع نصف القرية لأنهم كانوا يسمّونهم أيتامًا. رنا توقفت عن اللعب حتى تحمل الأطفال. وزهراء كانت تسأل كل أسبوع إذا كنت تعرف طريق العودة.
شدّ جاسم فكه.
أعلنوا مۏتي مرتين.
هنا أيضًا.
أخرج من قميصه رزمة ملفوفة بجلد قديم، مبتلة وعليها بقع ډم قديمة.
ووضعها فوق الطاولة.
كتبت رسائل.
لم ألمسها.
لم يصلنا شيء منذ شهور.
أعرف الآن.
نظرت