بعتُ بيتي حتى أنقذ ابنتي… وبعد سنوات أعادته لي البنت التي وصلت يومًا بحذائين مختلفين!


أريد السماع.
بل لأنني لو أكملت، ربما كنت سأسامحه من التعب فقط، وأنا تعلّمت أن التعب يتخذ قرارات سيئة.
اقتربت زهراء ببطء.
غدًا الساعة العاشرة. مكتب الكاتب بالعدل قرب المنصور. لا يجب أن تريه إن كنتِ لا تريدين. لكن يجب أن تأتي إن كنتِ تريدين التوقيع.
وإذا كان كله كذبًا؟
هزت رأسها.
ليس كذبًا. راجعت كل شيء ثلاث مرات بل أربع، لأنني أول مرة خلطت بين نسخة العقد وقائمة طلبات مطعم.
كدت أضحك.
كدت فقط.
تلك الليلة لم أنم.
كنت أنهض كل ساعة لأتفقد سارة.
شعرها بدأ ينمو بخصلات ناعمة، وبشرتها استعادت بعض الحياة، ووجنتاها عاد إليهما اللون تدريجيًا.
كانت تنام ويدها تحت الوسادة كما كانت تفعل وهي رضيعة.
أما مريم ورنا فكانتا تنامان على فرشتين في الصالة.
كبرتا وسط المستشفيات والديون وصمت الكبار.
أحيانًا كانتا تنظران إليّ كأنهما تريدان السؤال متى سنعود عائلة فعلًا؟
لكن لا واحدة منهما كانت تجرؤ.
في التاسعة وصلت زهراء مع آدم.
لم يعد طفلًا صغيرًا.
كان يرتدي زي المدرسة، ويحمل حقيبة ثقيلة وكيس كعك.
ماما تقول لازم نفطر اليوم، لأن الناس عندما تبكي وهي جائعة يغمى عليها أسرع.
أمك دائمًا راقية جدًا.
وقالت أيضًا ألا أتدخل بكلام الكبار لكنها أخبرتني بكل شيء في سيارة الأجرة.
احمرّ وجه زهراء.
آدم.
ماذا؟ هذا البيت أيضًا جزء من تاريخي. أنا مشيت خطواتي الأولى فيه.
وكان محقًا.
مشى أول خطواته في الصالة، وهو يتشبث بالكنبة الخضراء التي بعناها لاحقًا بثمن قليل لنشتري أدوية سارة.
ذهبنا جميعًا.
لم أستطع أن أترك بناتي خارج شيء يخصهن أيضًا.
كانت بغداد رمادية ذلك الصباح، بسماء منخفضة مليئة بالغبار والرطوبة والازدحام.
السيارات تمر ببطء، والباعة يخرج منهم بخار الشاي عند الزوايا.
كان حسام واقفًا خارج مكتب الكاتب بالعدل.
أنحف.
متعب العينين.
يرتدي قميصًا أبيض واسعًا على جسده، ويداه متشققتان.
لم يحاول احتضاني.
وهذا أنقذ كرامته.
هناء قال.
حسام.
فقط.
في الداخل كانت أم ياسر جالسة.
حضرت بعصا، وأحمر شفاه فاقع، وكيس مليء باليوسفي.
أخيرًا قالت في هذه المدينة حتى المعجزات تحتاج معاملات وأربع نسخ وهوية سكن.
شرح الكاتب بالعدل كل شيء.
الشراء.
القرض.
التنازل.
التبرع الجزئي.
وإلغاء دين لم أكن أعرف أصلًا بوجوده.
أخرجت زهراء ملفًا مليئًا بالفواصل الملونة.
كانت تراجع التواريخ، والأختام، والأسماء، والمبالغ.
البنت التي كانت تنسى هاتفها داخل الثلاجة أصبحت الآن تصحح للمحامي لأن ورقة كتبت هناء كريم دون اسم عائلتي الكامل.
ناقص العبيدي قالت.
راجع الرجل الورقة.
صحيح.
همس آدم في أذني
أمي أصبحت مخيفة داخل المكاتب.
ضغطت شفتي حتى لا أبكي.
وقّع حسام أولًا.
ثم أم ياسر.
ثم زهراء.
وعندما وضعوا القلم أمامي رأيت اسمي كاملًا.
هناء كريم العبيدي.
المالكة.
ارتجفت يدي لدرجة أن الحبر تلطخ قليلًا.
وضعت زهراء يدها على كتفي.
وقّعي يا هناء حان وقت العودة.
وقّعت.
وشعرت أن القلم لا يلامس الورق بل يلامس جرحًا قديمًا.
بعدها ذهبنا إلى البيت.
الشارع تغيّر وبقي كما هو.
مقهى جديد افتتح قرب الزاوية التي كانت فيها عصائر قديمة.
بيتان عُلقت عليهما لافتات للبيع.
لكن البقالة بقيت كما هي، بنفس الثلاجة الحمراء، ونفس القطة النائمة فوق قناني الماء.
كان باب بيتي الخارجي مليئًا بالصدأ.
وأغصان