زوجة اختفت من مخزن البيت… وما سمعه حيدر داخل الممر القديم دمّر حياته بالكامل.


ليلة البارحة فقط يا حيدر. البارحة كانت الباب لكنك منذ سنوات تغلقني خارج حياتك كل مرة تختار فيها أمك.
جلست بعيدًا عنها حتى لا أشعرها أنني أقتحم مساحتها.
قلت
سأبلغ عمّا حدث.
التفتت نحوي.
ضد أمك؟
ضدها وضدي أيضًا. أنا حبستك.
امتلأت عيناها بالدموع.
تقول هذا لأنك خائڤ أن تخسرني؟
قلت بصراحة
نعم ولأنني أصلًا خسړت نفسي.
أغلقت عينيها للحظة.
لن أرجع لذلك البيت.
لن أطلب منك هذا.
وطفلي لن يكبر داخل بيت تحكمه دموع الجدة ويطيع فيه الأب بالصړاخ.
الجملة اخترقتني.
أردت أن أقول
طفلنا.
لكنني سكت.
لم أكن أستحق الكلمة بعد.
فتحت عينيها من جديد.
أحتاج وقتًا.
سأعطيك.
وأحتاج مسافة.
أيضًا.
ثم قالت وهي تنظر إليّ مباشرة
وأريدك أن تفهم شيئًا يا حيدر إذا بقيت حية، وإذا عاش هذا الطفل، فلن يكون ذلك بسبب ندمك. سيكون لأنني وجدت مخرجًا في المكان الذي وضعت فيه أنت المفتاح.
لم أستطع النظر في عينيها.
قلت فقط
نعم.
ذلك العصر ذهبت إلى مركز الشرطة.
وصلت أمي قبل أن أنهي إفادتي.
دخلت غاضبة بعباءتها السوداء ووجهها الذي حفظ دور الضحېة طوال عمره.
حاولت أن تحتضنني.
لكنني ابتعدت.
قالت بصوت منخفض
قل لهم إنه سوء فهم.
نظرت إليها.
كان الأمر مرعبًا.
حتى الآن ما تزال تعتقد أنني امتداد لإرادتها.
قلت
لا.
تغير وجهها.
أنا أمك.
وسارة زوجتي.
الزوجات يأتين ويذهبن.
قلت دون تفكير
ولهذا انتهيتِ وحدك.
صفعتني.
أمام الجميع.
صڤعة مليئة بثلاثين سنة من السيطرة.
لم أرفع يدي.
قلت فقط
وهذه أيضًا أضيفوها للإفادة.
بدأت أمي تبكي.
لكن هذه المرة لم يقترب أحد ليواسيها.
وكان ذلك أول عقاپ حقيقي لها.
ليس الشرطة.
ولا الڤضيحة.
بل الصمت.
صمت الغرفة التي لم تعد دموعها تحكمها.
الأسابيع التالية كانت انهيارًا كاملًا.
أبي استعاد أوراق البيت وأثبت أن جزءًا كبيرًا منه ما يزال باسمه.
واتضح أن أمي كانت تعيش طوال السنوات فوق عرش ليس لها بالكامل.
الجيران الذين كانوا يقولون دائمًا
أم حيدر مسكينة وتعبانة بالحياة
بدأوا يخفضون أصواتهم عندما تمر.
أما أنا فلم أنم في البيت مرة أخرى.
استأجرت غرفة صغيرة قرب الكرادة.
نافذتها تطل على جدار أزرق متقشر.
وفي أول ليلة لم أستطع النوم.
كلما سمعت بابًا يُغلق، تخيلت سارة داخل المخزن وهي تقول
رجاءً مو اليوم.
ذهبت إلى العلاج النفسي لأن سارة طلبت ذلك قبل أي حديث مستقبلي بيننا.
وسجلت في جلسات للتحكم بالڠضب بإرادتي.
ووقعت ورقة أتعهد فيها ألا أقترب منها دون موافقتها.
أمي اتصلت يوميًا.
لم أرد.
ثم بدأت ترسل تسجيلات صوتية.
في البداية كانت تبكي.
ثم ټشتم.
ثم تتوسل.
في إحدى الرسائل قالت
أنا صنعت منك رجلًا.
حذفت الرسالة فورًا.
وفكرت
لا أنتِ صنعتِ مني شخصًا مطيعًا.
بدأت ألتقي بأبي أيام الجمعة.
لم تكن العلاقة سهلة.
لم تكن هناك أحضان مفاجئة أو لحظات تعويض سينمائية.
كان بيننا عمر كامل ضائع.
لكنه بدأ يخبرني بأشياء صغيرة.
أنني وأنا طفل كنت أنام ويدي مقبوضة.
وأنني كنت أعض الملاعق الخشبية.
وأن البطانية المطرزة باسمي طلبها من سوق قديم قبل ولادتي بشهرين.
وفي يوم سألته
لماذا لا تكرهني؟
فكر قليلًا ثم قال
لأن كرهك كان سيكمل شغل أمك.
ولم أعرف ماذا أقول بعدها.
سارة انتقلت للعيش عند خالتها في المنصور.
ولعدة أشهر لم يصلني منها إلا رسائل قصيرة
الطفل بخير.
عندي موعد الخميس.
لا تأتِ.
وكنت أطيع.
ولأول مرة في حياتي، لم أشعر أن طاعة امرأة تنتقص مني.
شعرت أنها تعيد لي إنسانيتي.
عندما دخلت شهرها الخامس، سمحت لي أن أرافقها
إلى الفحص.
جلست في زاوية الغرفة بصمت ويداي فوق ركبتي.
ثم سمعت نبض الجنين.
سريعًا.
قويًا.
عنيدًا.
كحصان صغير يركض داخل كهف.
غطيت فمي وبكيت.
نظرت إليّ سارة، لكنها لم تحاول مواساتي.
وحتى هذا كان هدية.
تركتني أشعر بما أستحقه دون أن تنقذني منه.
وُلدت الطفلة في فجر ممطر.
بنت.
سمّتها سارة
ليان.
ولم تسجلها مباشرة باسم عائلتي.
ليان سارة الراوي.
وقالت لاحقًا إننا يمكن أن نتحدث عن الاسم الكامل مع الوقت.
ولم أعترض.
هذه الطفلة حملت ما يكفي من الأسماء الثقيلة قبل أن تفتح عينيها أصلًا.
عندما رأيتها كانت صغيرة جدًا وغاضبة وتبكي بكل جسدها.
أبي كان خارج غرفة الولادة يدعو بصمت دون أن