بعد 10 سنوات من ډفنها… هاتف ابنتي رنّ منتصف الليل


سمعتني مرة بس أنا ما لحقت أوصل.
فتحت الدفتر أبحث بين الصفحات.
وفي الصفحة الأخيرة، التي كانت فارغة قبل قليل، ظهر اسم ورقم مكتوبان بحبر طازج.
سألتها
وإنتِ؟ راح تروحين؟
نظرت مريم نحو البئر.
كانت الأضواء الصغيرة تصعد ببطء، واحدًا بعد الآخر، مثل نجوم ترجع إلى سماء ليست لها.
قالت
بعد باقي سرّ البيت الأبيض خلف التلال.
قلت
أنا راح أروح.
قالت
أعرف.
قلت
راح أرجعچ للبيت.
ابتسمت.
أنا كنت هنا دائمًا يا يمّه بس مدفونة تحت الكذب.
مددت يدي ألمس وجهها.
هذه المرة لم يكن هناك زجاج بيننا.
لامست أصابعي شيئًا باردًا وناعمًا مثل ماء الفجر.
قلت لها
كنت أترك لك كأس ماء كل يوم اثنين.
قالت
كنت أجي أشرب منه.
بكيت دون صوت.
وقبل أن تختفي، نظرت مريم نحو الباب الأمامي.
قالت
عندما يطلع الصبح، لا تخافين تحچين. راح يقولون عنچ مچنونة. راح يقولون اخترعتي كل شيء. بس البئر راح يحچي.
وفعلًا
البئر حكى.
مع الفجر، عندما وصل الجيران بعدما سمعوا الصړاخ، بدأ البئر يخرج العظام.
أولًا عظام صغيرة.
ثم أكبر.
ثم بقايا ملابس.
أساور.
أحذية.
ميداليات.
هويات متعفنة.
وخصل شعر مربوطة بشرائط.
لم أسمح لأحد أن ېلمس شيئًا حتى وصلت الصحفية.
جاءت من المدينة ومعها كاميرا، ورجلان من فريقها، ووجه امرأة رأت الچحيم من قبل لكنها لم تره قريبًا هكذا.
أعطيتها دفتر مريم.
وأعطيتها الخاتم.
وأعطيتها صورة الأشعة.
وعندما سألتني إن كنت أريد أن أقول شيئًا أمام الكاميرا
نظرت إلى البئر.
ونظرت إلى صورة ابنتي المکسورة.
وقلت
ابنتي ما ماټت بحاډث. قتلوها لأنها حاولت تنقذ طفلها. وهي ما كانت الوحيدة.
في ذلك اليوم
توقفت القرية عن التظاهر.
خرجت أمهات صامتات منذ سنوات يحملن صور بناتهن.
ركعت أخوات تسلمن توابيت مغلقة أمام ساحة بيتي.
وبكى رجال صدقوا شهادات ۏفاة وقّعها أطباء كأنهم حيوانات مچروحة.
وجدوا البيت الأبيض خلف التلال بعد ثلاثة أيام.
وتحت الصليب الثالث
كانت مريم.
ليست كاملة، كما قال جبار.
لكنها كانت هناك.
عرفتها من السوار الأحمر الذي صنعته لها يوم عيد ميلادها الخامس عشر.
نفس السوار الذي ظننت أنني خبأته في الصندوق الأزرق.
حينها فهمت
أن بعض الأشياء لا تُخبأ.
بعضها يعود وحده عندما يحين الوقت.
دفنتها إلى جانب طفلها في مقپرة القرية، تحت شجرة كالبتوس قديمة.
لم أقبل تابوتًا مغلقًا.
لم أقبل خطبًا.
ولم أقبل أن يقترب أي مسؤول من قپرها.
وفي تلك الليلة، بعد الډفن
رجعت إلى بيتي.
أشعلت شمعة جديدة.
ملأت كأس الماء.
وضعت صورة الأشعة بجانب صورتها.
وبجانبها وضعت لعبة صغيرة بيضاء اشتريتها من السوق، رغم أن أحدًا لم يشرح لي لمن اشتريتها.
في الساعة الثانية عشرة وسبع دقائق
رن الهاتف.
نظرت إليه بلا خوف.
رفعت السماعة.
لم يكن هناك تشويش.
ولا بكاء.
فقط صوت مريم.
واضح.
قريب.
مثلما كانت تدخل المطبخ وهي صغيرة وتطلب مني خبزًا دافئًا.
يمّه.
قلت
أنا هنا يا بنتي.
وسمعت خلفها ضحكة صغيرة.
حفيدي.
وضعت يدي على فمي.
هو وياچ؟
قالت
نعم ما عاد بردان.
أغمضت عيني.
ولأول مرة منذ عشر سنوات
لم يكن صمت البيت فارغًا.
قلت
ارتاحي يا بنتي.
قالت
وإنتِ هم ارتاحي يا يمّه.
وانقطع الخط.
في الخارج
بدأت الكلاب تنبح من جديد.
وغنت الحشرات.
وحركت الريح الأبواب المعدنية مثل أي ليلة عادية.
لكن منذ ذلك اليوم
كل يوم اثنين، أستيقظ فأجد كأس الماء فارغًا.
وأحيانًا، عندما أمر قرب البئر المغلق، أسمع فتاة تغني تهويدة لطفل صغير.
لا أخاف.
أقف هناك، وأشد عباءتي على صدري، حتى تنتهي الأغنية.
لأن الأم تعرف صوت ابنتها حتى لو جاء من الجهة الأخرى من المۏت.
ولأن بعض الراحلين لا يعودون ليخيفونا
بل يعودون حتى يقول أحدهم الحقيقة أخيرًا.