يقين طبيب ودعاء جوهرة


أبيها. قالت بخجل الولد نفسه يتعلم، فقلت أساعده بدل ما نقعد بلا فائدة. في تلك اللحظة شعرت أن دعاء ابني يتحرك أمام عيني في صورة فتاة بسيطة لا يعرف عنها أحد.
اتصلت بابني في الخارج، وحكيت له عنها دون أن أذكر جمالًا أو مالًا، فقط حكيت عن قلبها وسترها وبرها بأبيها. سكت طويلًا ثم قال يا بابا، لا تتسرع، اسأل عنها جيدًا، فإن كانت كما تقول فربما هذا تدبير ربنا. سألت عنها في منطقتها، فوجدت الناس لا يذكرونها إلا بخير، بنت تعمل لتستر بيتها، تحفظ القرآن، وترفض أي طريق سهل فيه شبهة. لكن المفاجأة بدأت عندما انتهت المحارة، ورفض أبوها أن يأخذ زيادة على أجره رغم أنني أصررت. قال نحن اتفقنا على مبلغ، والبركة في الحلال، لا في الزيادة. وفي اليوم الأخير، سقط من شنطة رحمة دفتر صغير، فالتقطته لأعيده لها، لكن عيني وقعت على صفحة مكتوب فيها دعاء غريب. كانت تدعو يا رب ارزقني زوجًا طبيبًا يعالج أمي ويكون رحيمًا لا متكبرًا، ولا تجعل فقري سببًا لذلي. ارتجفت يدي، لأن هذا الدعاء كان يشبه دعاء ابني تمامًا ولكن من الجهة الأخرى.
وعندما جاء ابني إجازة ورآها صدفة وهي تخرج مع أبيها من الشقة، توقف في مكانه كأنه عرفها قبل أن يراها. لم يتكلم معها، لكنه قال لي بعد دقائق يا بابا، قلبي ارتاح. ذهبت لخطبتها من أبيها، فبكى الرجل وقال كنت أخاف أن يراها الناس عاملة محارة، ولا يروها جوهرة. لكن الصدمة الأكبر جاءت عندما جلسنا للاتفاق، ودخلت أم رحمة المړيضة، وما إن رأت ابني حتى صړخت باسمه القديم. نظرنا إليها مذهولين، فقالت وهي تبكي هذا الطفل أنا أنقذته يوم كان رضيعًا في المستشفى، قبل أن يسافر أهله به. تجمد ابني، وأخرجت المرأة من صندوق قديم سوار مولود عليه نفس اسمه وتاريخ ميلاده، وقالت كنت ممرضة يومها، وأعرف سرًا عن ولادته لم يخبركم به أحد.
وقبل أن نفيق من الصدمة، كشفت الأم عن الحقيقة التي حبست أنفاس الجميع. قالت والدموع تنهمر من عينيها ابنكم لم يولد وحده كما ظننتم طوال هذه السنوات، بل كان له توأم حقيقي أخذته عائلة أخرى في نفس الليلة بعد أن اختفى في ظروف غامضة من المستشفى بسبب خطأ وتواطؤ إداري كبير حدث آنذاك. لم تكن المفاجأة مجرد سر قديم، بل كانت الصدمة الكبرى عندما التفتت الأم إلى ابنتها رحمة وقالت والعائلة التي تبنت التوأم الآخر واختفت، كانت تقطن في نفس الشارع الذي يقع فيه منزلنا القديم، وقبل سنوات طويلة، انقطعت أخبارهم، لكنني احتفظت بهذا السر وأوراق المستشفى الرسمية على أمل أن يجمع القدر بين الأخوين يومًا ما.
انقلب مجلس الفرح إلى ذهول وبكاء، واختلطت مشاعر صدمة الماضي بفرحة الحاضر. أدرك الابن الطبيب أن عودته إلى مصر وتجهيز الشقة لم يكن مجرد صدفة، بل كان رحلة قادها تدبير إلهي عجيب ليعود إلى جذوره، ويلتقي بنصفه الآخر الذي تمنى مواصفاته في زوجته، ويبدأ رحلة البحث عن شقيقه التوأم المفقود. وهكذا تجسدت معجزة اليقين والدعاء، وتأكد الجميع أن من ترك أمره لله، ساقه القدر إلى أبواب لم يكن ليتخيلها، لتنتهي الحكاية ببداية حياة جديدة ملؤها الأمل والبحث واليقين.