رواية جديدة


المستشفى وأنا مخبي التحاليل؟ ما قلتلكيش الحقيقة وقتها. الدكتور قاللي إن عندي سړطان في البنكرياس وإن قدامي شهور قليلة.
بصيتلك يومها وشوفتك بتعملي شاي وبتضحكي للحفيد الصغير. عرفت إني لو قلتلك، ھتموتي بالحزن قبلي.
وأكتر حاجة كانت هتقتلني إني أشوفك بتغسّليني وتساعديني أدخل الحمام بعد
ما طول عمري كنت سندك.
أنا أناني يا سامية كنت عايزك تكرهيني. الكراهية أهون من الشفقة.
دموعي نزلت على الورقة.
افتكرت يومها فعلًا لما رجع متأخر وسهر طول الليل في البلكونة. افتكرت إنه كان بيهرب مني. لكن يمكن كان بيهرب من مۏته.
كمّلت وأنا حرفيًا مش شايفة من العياط.
الست اللي قلتي عليها؟ ما كانتش عشيقتي. دي كانت ممرضة اسمها هالة. هي اللي كانت بتاخدني جلسات العلاج. ولما تعبت أكتر، نقلت عند أخوها عشان محدش يعرف أنا مين.
حتى ولادنا ما يعرفوش الحقيقة. خليتهم يكرهوني أنا ولا يشوفوا أبوهم بيتكسر حتة حتة.
أما الكارت فده ما كانش فيه 100 ألف بس.
أنا بعت الأرض اللي ورثتها من أبويا، وحطيت كل حاجة باسمك. الحساب فيه مليون وستمائة ألف جنيه.
وفيه طلب أخير.
أرجوكي اعملي العملية.
شهقت بصوت عالي لدرجة إن الموظفة جريت ناحيتي تسألني إذا كنت بخير.
لكن ما كنتش سامعاها.
كنت شايفة حسن قدامي واقف بالمنديل القديم حوالين رقبته وهو بيصلح الحنفية. وهو بيجري ورا العيال في العيد. وهو بيصحيني الفجر عشان نصلي. وهو بيقولي طول عمره أنا لو تعبت يوم أوعي تشوفيني ضعيف.
يا غبي يا غبي ليه عملت كده؟!
فضلت أبكي في البنك كأني بنت صغيرة ضاعت منها الدنيا.
المدير مدّلي منديل وقال الأستاذ حسن كان موصينا بحاجة كمان.
فتح درج صغير وطلع مفتاح.
قال نسلمهولك مع الجواب.
بصيتله باستغراب مفتاح إيه ده؟
قال شقة في إسكندرية.
اتجمدت مكاني.
شقة؟!
كان مأجرها باسمه آخر سنتين في حياته وكان بيكتب فيها حاجة كل يوم تقريبًا.
بعد يومين رحت إسكندرية.
البحر كان هادي بشكل غريب. والعمارة قديمة، لونها أصفر باهت.
طلعت الدور الرابع وفتحت الباب بالمفتاح.
ريحة حسن كانت لسه هناك.
ريحة القهوة السادة والصابون الرخيص.
الشقة صغيرة سرير، ترابيزة، وكرسي جنب الشباك.
وعلى الترابيزة لقيت ٤ دفاتر.
كل دفتر عليه سنة.
فتحت أول واحد.
اليوم سامية كملت شهر من غير ما تكلمني. الحمد لله بدأت تكرهني فعلًا. يمكن ده هيسهل عليها مۏتي.
وفي صفحة تانية
شوفتها النهارده بالصدفة في السوق. استخبيت ورا عربية خضار زي العيال. كانت أرفع شوية بس لسه حلوة.
وفي آخر دفتر
لقيت آخر سطر كتبه قبل ما ېموت بيوم.
بكرا العملية الأخيرة. حاسس إني مش راجع. بس مرتاح عشان سامية عمرها ما هتشوفني ضعيف.
ولو ربنا كان كريم معايا يمكن تسامحني بعد ما أمشي.
ما قدرتش أكمل.
حضنت الدفتر لصدري وبكيت بصوت البحر.
بعد أسبوع عملت العملية.
ولما فوقت من البنج أول حاجة طلبتها من بنتي كانت الدفاتر.
بقيت أقرأ صفحة كل ليلة.
وأحيانًا أضحك.
وأحيانًا أزعق فيه وأنا لوحدي كنت قولّي يا حسن كنت هشيلك في عيني.
بس الحقيقة اللي عمري ما قلتها لحد
إني كل ليلة، قبل ما أنام، بحط الدفتر جنبي على السرير وأسيب مكان فاضي كأنه لسه نايم جمبي.
لأن بعد خمسين سنة جواز
حتى الغياب، بيبقى له صوت.