مثلت انى عمياء


الكلمات كانت أوضح من أي إنكار.
ولاد الحاجة عصمت وقفوا مصډومين. عمرهم ما تخيلوا إن زوجاتهم اللي عاشوا معاهم سنين طويلة يقدروا يعملوا كده.
لكن المفاجأة الأكبر إن الحاجة عصمت ما كانتش بتدور على الاڼتقام بقدر ما كانت بتدور على الحقيقة.
رفعت إيديها وقالت أنا جمعتكم النهاردة علشان أعرف مين يستحق يحمل اسمي بعد ما أمشي.
بعدها بصت ناحية هناء.
كانت هناء قاعدة في آخر القاعة، لابسة هدوم بسيطة، ووشها كله ارتباك وخجل. ما كانتش تعرف أي حاجة عن اللي بيتقال ولا عن الخطة كلها.
قالت الحاجة عصمت الست دي عمرها ما طلبت مني جنيه. عمرها ما سألتني عن الوصية. عمرها ما عاملتني كأني خزنة فلوس.
وحكت للحاضرين إزاي هناء كانت بتصحى الفجر علشان تحضر لها الأكل، وإزاي كانت بتوفر من مصروفها البسيط علشان تشتري لها الدوا، وإزاي حفيدها أحمد كان يقعد بالساعات يحكي لها قصص ويضحكها وهو فاكرها مش شايفة.
ثم التفتت للمحامي وقالت اقرأ.
فتح المحامي الوصية.
وجاءت الصدمة.
أعلنت الوصية أن السيطرة الإدارية الكاملة على مجموعة شركات الحاجة عصمت ستنتقل إلى مجلس أمناء جديد ترأسه هناء، على أن يتم تدريبها وإعدادها خلال سنوات تحت إشراف كبار الخبراء والمديرين.
أما الجزء الأكبر من الثروة فتم تخصيصه لصندوق عائلي وتعليمي وخيري يحمل اسم العائلة، بينما حصل الأحفاد على حصص محفوظة تضمن مستقبلهم.
ميرفت وشيرين كانوا متوقعين قصورًا وحسابات وملايين، لكنهما اكتشفا أن الجشع حرمهم حتى من ثقة الحاجة عصمت.
وفي الشهور التالية بدأت مرحلة جديدة.
هناء رفضت الاڼتقام أو التشهير. كانت أول قراراتها تحسين أوضاع الموظفين القدامى وإنشاء برامج دعم للأسر المحتاجة من العاملين في الشركات. ومع الوقت اكتسبت احترام الجميع، ليس لأنها ورثت المال، بل لأنها أثبتت أنها تستحق المسؤولية.
أما أحمد، حفيد الحاجة عصمت، فكبر وهو يتعلم أن قيمة الإنسان ليست فيما يملك، بل فيما يفعله عندما لا يراه أحد.
وفي أحد الأيام، بعد سنوات من تلك الجلسة الشهيرة، وقفت الحاجة عصمت أمام المقر الرئيسي للشركة. كانت الشمس تنعكس على الواجهة الزجاجية العملاقة التي تحمل اسم العائلة. نظرت إلى هناء وأحمد وإلى مئات الموظفين الذين تجمعوا للاحتفال بذكرى تأسيس الشركة.
ابتسمت وقالت أنا بدأت من الصفر، لكن أعظم إنجاز عملته في حياتي مش الذهب ولا الألماس... أعظم إنجاز إني عرفت أسلم الأمانة للي يستحقها.
صفق الجميع طويلًا.
وفي تلك اللحظة أدركت الحاجة عصمت أن الثروة الحقيقية لم تكن المليارات التي جمعتها عبر السنين، بل الشخص الصادق الذي وجدته وسط كل ذلك البريق.
وهكذا انتهت الحكاية؛ ليس بانتصار المال، بل بانتصار الأخلاق، لأن الأيام قد تخدع الناس لفترة، لكن الحقيقة دائمًا تجد طريقها إلى النور مهما طال الزمن.