رواية جديدة

​حطيت الملف على الترابيزة وفتحته. الكل اتلم، وعمي "حسين" قرب وقال: "إيه الورق ده يا ابني؟"

مسكت أول ورقة وقلت بصوت مسموع: "ده يا عمي.. عقد تنازل وتسجيل ملكية البيت ده."

​أمي وشها اتخطف وقالت: "بتقول إيه يا واد؟ البيت ده بيت أبوك وبأسم العيلة!"

رديت عليها وعيني في عينها: "كان بأسم أبويا يا أمي.. بس قبل ما ېموت بتلات شهور، اتنازل عن ملكية البيت ده بالكامل."

​أمي وقفت وهي مذهولة: "لميين؟"

رفعت الورقة وقلت: "لريهام.. لمراتي."

​البيت اتقلب! "إيه؟"، "مش ممكن!"، "إزاي ده حصل؟". ريهام نفسها كانت بتبص لي وهي مش مصدقة. أمي اټجننت وقالت: "كدب! أكيد هي اللي ضحكت عليك وخلتك تمضي الورق ده!"

​قلت لها: "لا يا أمي.. ريهام مكنتش تعرف أصلاً. أنا اللي كنت عارف وساكت.. ساكت عشان كنت مكسوف، مكسوف إن أبويا وهو مېت كان أحن على مراتي مني وأنا حي."

​طلعت جواب بخط إيد أبويا الله يرحمه، وبدأت أقرأه قدام الكل:

​"لو الجواب ده اتفتح، يبقى أنا عارف إن فوزية عدت الحدود اللي كنت خاېف تعديها. أنا اللي بنيت البيت ده، بس البيت مش حيطان، البيت كرامة. يا ابني، لو بتقرأ الكلام ده، يبقى أنت اتأخرت كتير في إنك تاخد موقف.. بس خد الموقف دلوقتي. أنا بنقل ملكية البيت ده للست  مراتك الطيبة اللي دخلت  عيلتنا و شالتنى فى مرضى واستحملت إهانات أمك ليها طول الوقت عشان بتحبك، و عملت كده  عشان تكون محمية من أي حد فاكر إن الجواز هو حكم وسيطرة."

​وأخر سطر في الجواب كان زي السکينة:

"من اللحظة دي، فوزية وأي حد من القرايب عايش في البيت ده، ملوش قعدة إلا بموافقة ريهام."

​الحالة في الصالة اتغيرت تماماً. أمي اللي كانت من شوية "ست البيت" القوية، فجأة رجلها مشالتهاش وقعدت على الكرسي وهي بتبص لريهام بنظرة تانية خالص.. نظرة حد استوعب إن الأرض اللي هو واقف عليها، ملك الشخص اللي لسه ضاړبه بالقلم.

​أمي سألت بصوت مهزوز: "يعني إيه؟ هترميني في الشارع؟"

بصيت لريهام، اللي كانت لسه بتمسح ډمها بطرف طرحتها، بس المرة دي وقفت بصلابة وقالت:

"أنا مش بتاعة اڼتقام.. بس من النهاردة، فيه حدود. مفيش حد يدخل أوضتي من غير إذن، مفيش تجريح في أهلي ولا في شغلي، ومفيش إيد تترفع عليا تاني.. وإلا البيت ده هيتنفض من أوله لآخره."

​​الحكاية مخلصتش بإننا طردنا حد، بس خلصت بإن "السكوت" اللي كان مالي حياتي انتهى. أمي عرفت إن الله حق، وبدأت تعامل ريهام باحترام - ولو بدافع الخۏف في الأول - بس مع الوقت، ريهام بأصلها قدرت تكسر كبرها وتخليها تحبها بجد.

​الورق هو اللي رجع الحق، بس كرامة ريهام هي اللي رجعت الروح للبيت. وأنا؟ أنا اتعلمت إن الراجل مش اللي بيسكت عشان "المركب تمشي"، الراجل هو اللي بيوقف المركب لو فيها ظلم.

تمت.