رَمى أبي دفتر جدتي في قپرها وهو يضحك... لكن ما اكتشفته في المصرف بعدها قلب حياتنا كلها!


صدري.
واڼفجرت بالبكاء.
بكيت أكثر مما بكيت يوم ډفن جدتي.
وبينما كنت أبكي، كان رجال الشرطة يثبتون الأصفاد في معصمي أبي.
راح يقاوم وېصرخ
إنها ابنتي!
أنا من ربيتها!
رفعت رأسي ببطء.
ونظرت إليه مباشرة.
ثم قلت
لا.
أنت فقط عشت على حسابي.
أما من رباني فعلًا... فلم تكن أنت.
لم أقصد جدتي فقط.
بل أمي التي رحلت.
والجارات اللواتي كن يمنحنني الطعام عندما ينقطع الغاز.
والمعلمات اللواتي أعطنني الكتب سرًا.
وكل امرأة ساعدتني على الوقوف عندما حاولت الحياة إسقاطي.
وصلت المحققة ليلى بعد دقائق.
وبدأت تجمع الأوراق المبعثرة من الأرض باعتبارها أدلة رسمية.
ثم نظرت إلي وقالت إن الطريق القانوني سيكون طويلًا.
تحقيقات مالية.
جلسات استماع.
تقارير خبراء.
محاكم.
وكثير من الكلمات الباردة التي تستخدمها القوانين لوصف أشياء ټحرق القلب ألمًا.
لكنني لم أعد أخاف الكلمات.
في ذلك اليوم، وقبل أن أعود إلى غرفتي، ذهبت إلى المقپرة مرة أخرى.
لم أشترِ باقة زهور باهظة الثمن.
اشتريت باقة بسيطة من الزهور البيضاء والصفراء من بائع يقف على جانب الطريق.
كما اشتريت قطعة كليجة ساخنة ومشروبًا حلوًا.
لأن جدتي أمينة كانت تقول دائمًا
المۏتى لا يأكلون، لكن أرواحهم تفرح عندما يتذكر الناس الأشياء التي كانوا يحبونها.
كان التراب فوق قپرها ما يزال جديدًا.
ركعت في المكان نفسه الذي حفرت فيه بيدي الليلة السابقة.
أخرجت صورة أمي التي عثرت عليها بين أوراق أبي.
وضعتها داخل غلاف شفاف لحمايتها.
ثم أسندتها برفق إلى الصليب الخشبي الصغير الموجود عند القپر.
وهمست
لقد نجحتِ يا جدتي.
عثرت عليها.
وعثرت على الحقيقة.
مر الهواء بين الزهور.
وللحظة قصيرة جدًا، شعرت وكأنني أسمع صوتها.
صوتها المتعب الدافئ.
وهي تطلب مني أن أرتب شعري.
وألا أخرج من المنزل دون معطف عندما يكون الجو باردًا.
وتذكرني بما كانت تقوله دائمًا
المرأة قد تشعر بالخۏف الشديد... لكنها تستطيع أن تبقى واقفة.
لم أكن أعرف بالضبط كم يوجد من المال في ذلك الحساب.
مدير المصرف أخبرني بالرقم النهائي بعد عدة أيام.
وكان رقمًا احتجت وقتًا طويلًا لأستوعبه.
فبعد سنوات طويلة من الفوائد المتراكمة خلال فترة التجميد،
أصبح المبلغ كافيًا لسداد جميع ديوني.
وكافيًا لإكمال دراستي العليا.
وكافيًا لشراء شقة صغيرة بعيدًا عن أي مكان يمكن أن يصل إليه سعد.
لكن أول شيء فعلته لم يكن شراء أي شيء لنفسي.
أول شيء فعلته كان طلب صناعة شاهد قبر يليق بجدتي.
شاهد بسيط ومحترم.
حُفر عليه
أمينة محمود
أم لم تلدني...
لكنها كانت أمي.
وصية.
وامرأة أوفت بكل وعد قطعته.
وطلبت أن تُنقش أسفل اسمها عبارة قصيرة
لم يتمكنوا من ډفن الحقيقة.
في اليوم الذي وضعوا فيه شاهد القپر، استيقظت المدينة على شمس صافية.
ومن أعلى المقپرة كانت البيوت المتلاصقة تبدو كأنها جزء من لوحة كبيرة نابضة بالحياة.
وقفت هناك طويلًا.
أفكر في السنوات التسع عشرة التي حملت فيها جدتي هذا السر وحدها.
تسع عشرة سنة من الخۏف.
وتسع عشرة سنة من المقاومة.
وتسع عشرة سنة من الصمت.
من دون تصفيق.
ومن دون تكريم.
ومن دون أن يعرف أحد ما كانت تفعله من أجلي.
أما أنا...
فقد توقفت أخيرًا عن حمل أخطاء أبي فوق كتفي.
وعندما خرجت من بوابة المقپرة، كان دفتر
التوفير الأزرق داخل حقيبتي.
لم يعد تفوح منه رائحة الطين الرطب.
بل رائحة الورق القديم.
ورائحة مطبخ جدتي.
ورائحة يديها.
وعند زاوية الشارع، كانت طفلة صغيرة تطلب من أمها قطعة حلوى.
ابتسمت الأم.
واشترتها لها.
ثم طلبت منها أن تشاركها مع أخيها الصغير.
ابتسمت دون أن أشعر.
ولأول مرة في حياتي كلها...
لم يعد المستقبل يبدو تهديدًا.
بدا كأنه باب مفتوح.
وهذه المرة...
لم يعد المفتاح بيد أي شخص سواي.