انا والطبيب بقلم سارة نيل


عارف يعمل أيه ولا يتصرف إزاي .. كان ممكن أبقى أسوء منك ومن إللي أسوء منك مليون مرة..
كان ممكن أضيع والحياة حوالينا مليانه بأسباب ملهاش أول من أخر للضياع وبالذات لطفل لسه في بداية حياته وتكوينه..
بس رحمة ربنا إن بعتلي الناس دي في الوقت المناسب وكان الشيخ رضوان ليا الأب إللي مخلفنيش وكذلك أمي رحيمة..
رغم إللي عملته يا طاهر بس دورنا عليك وكان قلب أمك محروق ومبطلتش دعاء ليك بالهدى..
ذنبهم أيه علشان يتحطوا في موقف زي ده..!!
وتصاعد صوته يعلو ويعلو وهو يتحرك ليقف أمام والده يصيح بصوت هادر وأعصابه قد تفلتت من معقلها وأوداجه منتفخة يوشك أن يصاب بذبحة صدرية هيئته والإنكسار الذي يعلوه تمزق القلوب 
ليه عملت كدا ... ليه .. ليه قولي ليه أذيت الكل بالطريقة دي .. طب مفتكرتنيش خالص .. مفتكرتش إن ممكن يحصلي زي ما حصل لولاد الناس دول ... بس أنا ربنا حماني مش علشان خاطرك ... علشان أمي .. أمي وبس..
الناس إللي ربت ابنك بطريقة أنت مستحيل كنت تعرف تربيني بيها هخلي ابنهم يقابلهم إزاي دلوقتي .. اقولهم أيه .. دي نتيجة المعروف إللي عملتوه معايا .. أبويا هو السبب الرئيسي إن ابنكم يوصل للمرحلة دي .. أقولهم دا رد المعروف..
طب أبويا رضوان وأمي رحيمة هيحصلهم أيه أب وأم متلهفين لابنهم وتفكير الشيخ رضوان كله أمل وثقة بالله إن ممكن الأيام والوقت علموا ابنهم وغيروه للأفضل..
أنت كسرتني .. كسرتني مرتين ومۏت في عيني ألف مرة..
كسرتني لما اتخليت عني زمان وسيبتني وراك من غير ذرة تردد بس بحمد ربنا على الكسرة دي..
وكسرتني لما عرفت إن أنا واقف قدام مچرم متعدد الأغراض ... مچرم مسابش حاجة ألا ما عملها..
أنا الكسرة إللي جوايا مستحيل تتصلح يا ماجد وحسرتي الكبيرة إن أنا شايل اسمك..
ابتلعت قدر ريقها بصعوبة فيبدو أنها ليست الوحيدة التي تمتلك قصة مؤلمة وجراح تسكن قلبها .. قيس كالوردة التي نبتت وسط الخړاب..
فهمت ما يدور وسكن لهيب قلبها لكن تمزق قلبها لأجل حامي الحمى خاصتها..
في حين تقدم فهد بجانب قيس وأردف بصوت يغمره الألم
لا يا دكتور قيس أنت شايل اسم راجل لسه على حاله محدش يعرفه .. اسم ماجد البنا مش هو إللي اتشوه اسم أبويا إللي ماټ من سنين ...

نسب ليه ولصق في اسمه جرايم ملهاش أول من أخر وهو في رحمة رب العالمين..
أخفض قيس رأسه وأحناه للمرة الأولى بخذلان وهتف
مش هعرف أرفع راسي تاني ولا أحط عيني في عين حد..
بصراحة مش عارف أقولك أيه يا فهد ولا أرجعلك حقك إزاي وعارف إن مهما أعمل مش هيكفر ولا هيرجع إللي حصل زمان...
لا أنت ولا ياسين وأسرته ولا الشيخ رضوان وأهل بيته..
ورفع أنظاره الغائمة بالإنكسار يضعها بأعين قدر المشوبة بالدموع وهمس وهو يتذكر عڈابها وما لاقته
ولا أنت يا تركواز..
وغامت أعينه بأعينها التي تخبره أنه لا بأس ليس لك من هذا الأمر شيء لا يحق لك الخجل والإنكسار .. أنت بقعة الضوء الوحيدة في وسط تلك الدهمة البهماء .. فلا تحزن لن تترك يدي يدك أبدا..
في حين أخبرتها أعين قيس العاشقة..
ذقت الحب بعد قحل بئيس وحين زارني طيفك سيدتي وكنت لي قدر قيس رحيم آنست به فظننت الصيب قد حط على قحطي لكن لم أنتبه أنه يجتر سيل جارف وقد جاءني الموج الأشد من كل مكان..
فما ظنك مولاتي ماذا أنا فاعل الآن.!!
وفي ظل دقائق كانت أفراد الشرطة تحاوط المكان والټفت الأصفاد بأيدي جعفر الذي كان وجهه جامد يسقط منه شړ چحيمي وصاح بوعيد لفهد
هدفعك التمن غالي يا ابن رضوى .. هدفعك التمن غالي أووي..
نمت إبتسامة ساخرة فوق فم فهد وأردف
عهدك انتهى يا ماجد .. خلاص انتهى كل حاجة بقيت ولا حاجة..
بينما كان يقف قيس بثبات يدير وجهه للجهة الأخرى لېصرخ ماجد قبل أن يسحبوه للخارج
أنا أبوك يا قيس .. سامعني أبوك وليا حق عليك ولو ومليون واحد رباك هتفضل ابني ودمي بيجري جوا عروقك ..مش هتعرف تخلعني من جواك يا قيس .. مستحيل..
أغمض قيس أعينه بشدة وتنفس بعمق فتح أعينه ليجدهم يتجهون نحو طاهر الساكن بشكل غريب فوقف أمام جسد طاهر يحيل بينهم ثم أردف يوجه حديثه لياسين وفهد
كام ساعة .. محتاج كام ساعة وأنا بنفسي هسلمه لكم .. دا طلبي يا ياسين ورجاء يا فهد مسؤول مني أسلمه لكم بس سيبوه معايا كام ساعة في حاجة مهمة لازم اعملها..
تبادل فهد النظرات مع ياسين الذي حرك رأسه بإيجاب وثقة فالټفت قيس لطاهر الذي رمقه بإمتنان شديد وحنين يغزو أوصاله..
قال قيس
يلا يا طاهر..
سار طاهر بجانب قيس خارجا حتى وقف أمام قدر المتعلق أعينها بقيس پجنون..
وخرج صوت طاهر مصبوغ بأشد قصائد الندم
أنا آسف .. آسف يا قدر .. وعارف مش بالسهولة دي وإللي زي المسامحة ليه مش متاحة علشان كدا مش هتجرأ وأقول سامحيني..
وخرج يتبعه قيس الذي توقف فور أن سمع قدر تقول من خلفه بصوت عاشق
هستناك يا حامي الحمى .. هستناك في بيتك وفي مكانا .. متتأخرش على تركواز يا قيسي..
ابتسم بحزن وقلبه يمور بعشق وخرج بصحبة طاهر متجهين حيث أخر مقر للحكاية.....
في هذا المنزل المتوسط الذي يقبع على الشاطئ كان يتواجد قدر وأسرتها يلتفون ويتحدثون فيما حدث من قبل ويسرد كل شخص الحكاية من ناحيته..
كانت قدر الشارد عقلها مع قيسها تستقر بأحضان والديها وأشقاءها بأمان قد حرمت منه هذا العام العجاف..
وفي الأخير انتهى هذا الکابوس المزعج وانقشعت الظلمة من فوق سماء أيامهم...
دلف ياسين مسرعا يلهث ووجهه مكفهر فاعتدل الجميع يتسائلون بعجب وأولهم قدر التي وقفت أمام شقيقها تتسائل بقلق
في أيه يا ياسين
.. أيه حالتك دي في حاجة حصلت..!!
مسح على شعره پعنف وقال بنبرة شديدة
قيس ... قيس مختفي ومحدش يعرف عنه حاجة!!
يتبع..الخاتمة..
أنا والطبيب الخاتمة
لازم أروح مشوار الأول قبل ما أجي معاك يا قيس.
الټفت له قيس الواجم الملامح واستفهم بتعجب
فين!
ركب سيارته وأشار لقيس بالركوب وقال بوجه تعيس
مشوار بسيط بس هيفرق معايا هتعرف لما نوصل..
ركب قيس بهدوء بجانبه بينما عقله بواد أخر ولم يكن طاهر يختلف عن فقد عاد للسكون والصمت وتنبثق من أعينه نظرة خامدة لا توحي بحياة..
بعد مرور القليل وصل طاهر وبصحبته قيس لبلده متوسطة الحال وقام بإجراء بعض المهاتفات ليتوقف أمام مجموعة كبيرة من المخازن...
التزم قيس الصمت وبقى يشاهد فقط ليتفاجئ باقتراب مجموعة كبيرة من آلات الهدم..
وقف قيس بالقرب من طاهر والآن أصبح يفهم ما يحدث أردف طاهر وأعينه تتأمل المكان والذكريات تطوف بعقله وكأنه حدث بالأمس
دي حقوق لازم ترجع الأول لأصحابها يا قيس قبل سنة كان هنا بيت قدر وعيلتها وبيوت ناس كتير أنا جيت وخرجتهم منها بالإجبار وقضيت على كل أحلامهم وحياتهم...
المخازن دي هتتهد والأرض ترجع لأصحابها من تاني والفلوس إللي في حسابي هتغطي مصاريف بناء بيوت الناس دي تاني..
عارف إن كدا مش تكفير عن غلطي وكل آثامي بس ده على الأقل هيريح ضميري شوية..
وبالفعل اتجهت آلات الهدم وأخذت المخازن التي بنيت ڠصبا وإكراها وشيدت على دمار حياة آخرين ټنهار وتسقط..
تنهد قيس ... نعم يعلم أن طاهر مچرم ومغمور بالأثام ... لكن يبقى أفضل من والده وأنقى منه لم يطمس على قلبه ولم تغشى أعينه على الأخير..
إن عاد إلى الله سيستقبله بحفاوة ويستطيع أن يكتب بداية جديدة لحياة أطهر ونهاية لتلك الحكاية السيئة..
خرج صوت قيس الممزق
أنت ربنا بيحبك وقدرلك الرجوع تاني يا طاهر كل حاجة انكشفت قبل ما كان ماجد البنا يورطك في مصايب أكبر مكونتش هتقدر تخرج منها أبدا..
واضح إن كان مرتبلك توريطات كبيرة. 
تقدر تكتب حكاية جديدة يا طاهر ترجع حقوق العباد إللي ظلمتهم وتطلب منهم الغفران وتقف على باب ربنا وتتوب وترجعله..
تقدر تكون إنسان كويس وناجح وفاعل للخير يا طاهر وافتكر دايما الحسنة هتمسح السيئة كتر من أفعال الخير وعوض عن أغلاطك وذنبك وافتكر دايما إن ربنا غفور رحيم رغم إن إللي أنت عملته ميعرفش للرحمة طريق..
اتعلمت منك درس مستحيل أنساه يا طاهر وبسببك عرفت قيمة نعم في حياتي مكونتش واخد بالي منها..
القلب اللين نعمة ... خليتنا اتمسك من هنا ورايح في حياتي إن أشكر ربنا على نعمة لين القلب وإن أدعي دايما إن ربنا لا يطمس على قلبي وإن ربنا لا يجعلني من القاسېة قلوبهم ولا أكون غليظ القلب..
وإن ربنا لا يغشي على قلبي ولا يطمس بصيرتي ويخلي دايما عندي ړعب من المعصية وإن مستهينش بالمعصية والذنب...
أقسى عقاپ يا طاهر إن ربنا يسيبك لنفسك ويسلطها عليك ... حقيقي ړعب..
قدرت النعم إللي كنت فيها وأنا مش حاسس بيها..
تبان عند البعض حاجة بسيطة بس عدم وجودها دمار وضياع...
أنا مش عارف أقولك أيه يا طاهر ولا أحكم عليك لأن أنا مين علشان أحكم على عبد من عباد الله..
أنا كمان عندي ذنوب ومفيش عبد خالي من الذنب وبدعي ربنا بالغفران..
ربنا أرحم بيك من أي حد ومش بيرد عبد ليه ندمان وتايب من على بابه إللي بينك وبين ربنا مينفعش حد يتدخل فيه أبدا...
لم يكن من طاهر إلا أن سجل هذا الحديث بذهنه جيدا والتزم الصمت..
وبعد بعض الوقت كان طاهر يتجه إلى أخر مكان ظن أنه سيعود له يوما ما..
مكان كان يسعى ويفعل ما فعله لأجل أن يصبح ذا شأن ويثبت

لهم عكس ما ظنوا..
مكان غدر هو به ولم يعلم أن لا أحد في هذا العالم يحبه أكثر ممن في هذا المكان...
زين له الشيطان وزينت له نفسه الأمارة بالسوء الغواية وظن أنه لن يكون بحاجة إليهم يوما ما تناسى البر والإحسان .. وتلك المبادئ والقيم التي جاهد رضوان جهادا شديدا لوضعها بداخله لكن بالمقابل كان هو يلفظها من داخله بإيباء شديد..
رحل عنهم خالي الوفاض وهو لا شيء وحلم بتلك اللحظة التي يعود بها أمامهم شامخ الرأس لكن الآن سيقف أمامهم بنسخة أسوء من ذي قبل..
فهل يا ترى سيقبله الشيخ رضوان في منزله هل سيستقبل هذا الآثم في منزله الطاهر ويلوثه كما كان يخبره قديما.
وأخيرا أتت اللحظة المرتقبة عاد طاهر ووقف أمام المنزل .. عاد للوطن مرة أخرى..
وقف ينظر للمنزل الذي لم تغيره الأزمان باق على حالته من السكون والطمأنينه التي تصيب قلبه حين الوقوف أمامه..
هل هذا ذات المنزل الذي كلما رأيته قديما اغتم قلبي لتلك القيود التي كان يستنها رضوان كما كان ينعتها هو..!
نعم الصلاة الذي كان يأمره والده بها ويحثه عليها كان يسميها قيود..
حفظ القرآن