ابن الخادمة يشبه المليونير

وشغل التلفاز لكنه لم ير ما يعرض حقا.
كانت الصور تقفز أمام عينيه دون أن تسجل في ذهنه شيئا.
عقله كان مشغولا بأمور أخرى تماما.
بدأ يتذكر الفترة التي تم فيها توظيف روزا.
كانت هادئة تؤدي عملها بلا شكوى.
في عينيها حزن دائم لكنها كانت لطيفة.
لم يواجه معها أي مشكلة.
هيلينا هي من كانت قد أوصت بها إن تذكر جيدا.
قالت إنها امرأة موثوقة تحتاج للعمل ولا أحد لها في هذا العالم.
والآن الآن ربما كانت تلك المرأة تحمل أكبر سر في حياته طوال الوقت.
صوت فتح الباب جعله يقفز من مكانه.
كانت هيلينا قد وصلت.
نادته من المدخل
حبيبي!
وصلت.
مسح ألكسندر يده في بنطاله محاولا أن يبدو طبيعيا.
قال أنا هنا في غرفة الجلوس.
ظهرت وفي يدها كيس قبلته قبلة سريعة على خده وذهبت مباشرة إلى المطبخ تتحدث عن ازدحام الطريق والنادي الرياضي وحفل ما يوم السبت.
كان يسمع نصف ما تقوله فقط.
يجيبها ب نعم وأمم بلا روح.
كان هناك لكنه لم يكن حاضرا فعلا.
هيلينا لم تنتبه.
كانت معتادة على شروده.
حين صعدت إلى غرفة النوم استغل الفرصة وخرج إلى الفناء الخلفي.
المكان الذي كان فيه ميغيل ما يزال يحمل حضوره.
كانت سيارة اللعب الصغيرة ملقاة بجانب العشب.
أمسك ألكسندر بالسيارة ونظر إليها.
كانت سيارة حمراء تنقصها عجلة.
بسيطة جدا لكنها مثقلة بالمعنى.
وضعها في جيب سترته دون أن يخطط لذلك واقفا هناك في الحديقة ينظر إلى غروب الشمس.
في تلك اللحظة شعر ألكسندر بشيء جديد فراغ في وسط صدره كأن قطعة ما كانت مفقودة من حياته ولم يكن يعرف بوجودها والآن ربما وجدها.
عاد إلى الداخل ببطء صعد إلى غرفة النوم وأخذ حماما طويلا.
ساعده الماء الساخن على توضيح أفكاره قليلا.
جفف وجهه بالمنشفة وأعاد النظر في المرآة.
كان هو نفسه بالطبع.
لكن في الوقت ذاته كان الرجل الذي قد يكون له ابن ولم يعلم بذلك من قبل.
وهذه الإمكانية وحدها كانت تغير كل شيء بداخله.
في اليوم التالي استيقظ ألكسندر قبل المنبه.
بل في الحقيقة لم ينم تقريبا.
قضى الليل كله يتقلب من جانب إلى آخر ورأسه يعمل بلا توقف.
عندما نهض أخيرا كان الفجر ما يزال معتما قليلا والبيت صامتا.
نزل بهدوء حتى لا يحدث جلبة.
ذهب إلى المطبخ فتح الثلاجة وظل ينظر إلى داخلها دون أن يمسك شيئا.
كان يفكر فحسب.
روزا كانت تصل دائما باكرا حوالي السابعة.
كان أمامه نحو عشرين دقيقة.
أخذ يتمشى في المطبخ ذهابا وإيابا كمن ينتظر محاكمة.
عندما سمع باب المغسلة يفتح قفز قلبه.
إنها هي الروتين نفسه ككل يوم.
دخلت وهي تحمل كيسا بسيطا في يدها شعرها مرفوع زيها نظيف وعيناها إلى الأرض.
حين رأته في المطبخ توقفت لحظة.
حاولت أن تتظاهر بالهدوء وأجبرت نفسها على ابتسامة سريعة.
صباح الخير سيد ألكسندر.
رد لكن صوته خرج جافا آليا تقريبا
صباح الخير روزا. نحتاج أن نتحدث.
توقفت في منتصف المطبخ وهي ما تزال تحمل الكيس.
نظرت إليه وملامح القلق واضحة على وجهها.
لم يكن ذلك مجرد تفاجؤ بل خوف.
قالت بصوت منخفض
الآن
الآن.
أشار برأسه نحو المكتب فذهبت قبله.
أغلق الباب خلفهما وسحب كرسيا.
روزا بقيت واقفة.
قال
اجلسي.
أطاعت وجلست لدقائق دون أن يتكلم أحد.
كان الصمت ثقيلا.
كان ألكسندر يحدق في روزا بمزيج معقد من الشك والڠضب والحيرة.
أما روزا فكانت تعبث بيديها في حجرها تشبك أصابعها وتفكها وتتجنب النظر في عينيه.
قال مباشرة
من والد ميغيل
تنفست بعمق أغمضت عينيها للحظة ثم أجابت بصوت منخفض
قلت لك من قبل لقد اختفى قبل أن يولد الطفل.
قال بحدة هادئة
روزا كفي عن هذا.
أمس ناداني ميغيل أبي.
نظر إلي كما لو كان يعرفني كما لو كان الأمر طبيعيا تماما.
قالت
الأطفال يقولون ما يخطر ببالهم.
روزا انظري إلي.
رفعت وجهها لكن عينيها كانتا مليئتين بالخۏف.
قال
ذلك الصبي يحمل ملامحي.
ابتلعت ريقها وبقيت صامتة.
قال بهدوء حاسم
قولي الحقيقة مرة واحدة فقط.
أنا بحاجة أن أعرف.
تنفست بعمق من جديد ثم تكلمت وهي تنظر إلى الأرض
كانت هناك ليلة منذ زمن كنت فيها متوعكا وبقيت أطيل الدوام للاطمئنان عليك .
كنت أغلق المطبخ استعدادا للانصراف فناديتني وطلبت مني الجلوس قليلا لمراجعة لائحة المهام
قبلت.
تحدثنا قليلا عن العمل والضغوط ثم شعرت بتوعك شديد وطلبت مني الاتصال بالطبيب
كانت تلك الليلة الوحيدة التي اضطررت فيها للبقاء إلى جانبك حتى وصول الطبيب والعائلة
سكت ألكسندر.
برد جسده فجأة.
بدأت يداه تتعرقان.
لم يتذكر كل شيء لكنه تذكر أجزاء تذكر أنه بقي حتى وقت متأخر تلك الليلة وأنه كان مرهقا ومريضا فعلا وأن روزا كانت في البيت حتى حضر الطبيب وبقية العائلة. أما التفاصيل الصغيرة فبقيت ضبابية في ذاكرته لكن الآن أصبح كل شيء منطقيا
سألولماذا لم تخبرينيصمتت لحظة ثم قالت بصوت مبحوحبعد تلك الأيام العصيبة جاء ميغيل إلى الدنيا ومع الوقت كلما كبر رأيت ملامحه تزداد شبها بك أنت بالذات. في البداية قلت لنفسي إنه تشابه عابر لكن الشبه كان يكبر معه يوما بعد يوم إلى أن لم أعد أستطيع الهروب من الحقيقة داخل قلبي.
تنفست بعمق وأكملتومهما يكن كيف كنت سأخبرك أنت متزوج وأنت رب عملي ورجل يعيش حياة مختلفة تماما عن حياتي. كل ما أردته هو حماية ميغيل وأن يعيش بهدوء بعيدا عن المشاكل والنزاعات.
قال بمرارة
وظننت أن إخفاء الأمر عنه هو نوع من الحماية
أجابت
لم أكن أريد المشاكل ولا الشجار ولا أن أفقد عملي ولا أن يكبر الطفل وسط نزاعات.
وفي النهاية أنت لم تكن تتذكر تلك الليلة.
فقررت أن أترك الأمر ربيته وحدي كما اعتدت أن أفعل كل حياتي.
سكت ألكسندر من جديد.
كان هناك الكثير ليتقبله.
شعر بثقل كبير يجثم على صدره.
لم يكن يعرف إن كان يشعر بالڠضب أو الذنب أو الخجل أو بكل ذلك معا.
لكنه كان متأكدا من شيء واحد
ذلك الطفل كان ابنه فعلا.
قال فجأة
لقد أجريت اختبار أبوة أمس.
اتسعت عينا روزا.
كيف
أخذت فرشاة أسنانه.
أرسلتها إلى مختبر.
وصلت النتيجة هذا الصباح.
اتسعت عيناها أكثر وتسارع نفسها.
أومأ برأسه دون حاجة إلى مزيد من الكلمات.
فهمت فورا.
انهار وجهها.
ملامحها بدت وكأنها تحاول حبس عاصفة في داخلها.
قالت هامسة
أنا آسفة.
على ماذا
على إخفائي الأمر عنك
على أنني أبعدتك عن حياته طوال هذا الوقت.
لكنني كنت خائڤة.
لم أكن أعلم كيف ستتصرف.
ظننت أنك ربما ستطردنا أو تتظاهر بأن شيئا لم يكن.
أنا نفسي لا أعرف ماذا أفكر الآن.
قال
أنا أيضا لا أعرف ما أفكر.
لكنني فقط أعرف شيئا واحدا ذلك الطفل ابني.
خفضت رأسها وقالت
افعل ما تشاء.
إن أردت أن أرحل سأرحل.
قال
لا أريدك أن ترحلي.
رفعت عينيها باستغراب.
أريد وقتا لأفهم لأفكر
لكنني لا أريد أن ينتزع الطفل مني الآن.
هزت رأسها موافقة وما تزال مضطربة.
مرر ألكسندر يده على وجهه منهكا محطما من الداخل ونهض.
قال
لا تقولي شيئا لأحد الآن خصوصا لهيلينا.
سأتحدث إليها عندما أكون أكثر استعدادا.
قالت
حسنا.
سكتا لثوان أخرى.
كانت المسافة بينهما تبدو شاسعة رغم وجودهما في الغرفة نفسها.
كان هناك الكثير بينهما لا يمكن حله في لحظة واحدة لكن السر الآن خرج إلى العلن ولم يعد بإمكان ألكسندر أن يتظاهر بالجهل.
فتح باب المكتب وخرج دون أن يقول شيئا إضافيا.
ذهب مباشرة إلى غرفة النوم أغلق الباب وارتمى على السرير.
ميغيل كان ابنه.
والحياة التي ظن أنه يعرفها حتى الأمس تغيرت إلى الأبد.
قضى ألكسندر عطلة نهاية الأسبوع وكأنه في عالم مواز.
كان موجودا لكنه غير حاضر.
يمشي في البيت كالشبح.
يجيب الناس آليا.
يتجنب النظر إلى عيني هيلينا.
كان وكأن كل تفصيل في بيئته بات يحمل وژنا مختلفا.
البيت الكبير الأثاث