رواية كامله


لحظة خفيفة تمر كالريح بل يقين هادئ تغلغل في صدره كضوء الفجر حين يبدد العتمة قليلا قليلا. أحس أنه أخيرا يتعلم معنى الوجود الحقيقي الوجود الذي لا تصنعه الأموال ولا المناصب بل تصنعه القلوب حين تلتئم.
لم يعد يبحث عن نجاح بعيد يطارده من مدينة إلى أخرى. لم يعد يقيس قيمته بعدد الاجتماعات أو الصفقات أو الرحلات السريعة عبر القارات. اكتشف أن كل ذلك لم يملأ يوما الفراغ الذي تركه غياب زوجته ولا أعاد لبيته البهجة التي فقدها.
لكنه الآن يرى الأمر بوضوح يرى أن قيمته الحقيقية كانت تنتظره في أبسط الأشياء في يد صغيرة تتمسك بقميصه عند النوم في ضحكة خجولة تعود بعد غياب في ثلاث قلوب صغيرة تبحث عنه حين تشعر بالخۏف. لقد عاد يتعلم كيف يكون أبا لا غائبا بل حاضرا في اللحظة نفسها حاضرا بكل ما يملك من روح واهتمام.
كان ينظر إلى بناته ويدرك أنهن لم يحتجن يوما إلى منزل واسع أو ألعاب كثيرة أو رحلات بعيدة. كل ما أردنه هو أن يكون هو قريبا أن يجلس معهن إلى المائدة أن يقرأ لهن قصة قصيرة قبل النوم أن يستمع لهن حين يتحدثن وأن يضع يده فوق أيديهن حين ترتجف قلوبهن الصغيرة.
هناك وسط حديقة البيت أدرك وليام أن الحب الذي يبنى بصدق لا يختفي. ربما يضعف مع الوقت وربما يبتعد صاحبه لكنه يعود ليضيء الطريق كلما تاقت إليه الأرواح. أدرك أن الإنسان لا يقاس بما يملك من مال بل بما يمنحه لمن حوله من طمأنينة ورحمة وثبات.
الثروة الحقيقية ليست شيئا يمكن أن يحصى ولا رقما يمكن تدوينه في حساب مصرفي. إنها شيء أعمق وأثمن شيء يكبر داخل القلب كلما اختار الإنسان أن يكون حاضرا لأولئك الذين يحبهم.
وأغنى ما في الحياة هو ذلك الحب الذي يظل واقفا حتى حين تنطفئ الأنوار الحب الذي لا يتراجع أمام الألم الحب الذي يربط بين الأرواح فيجعلها قادرة على النهوض مهما اشتد المسير. الحب الذي يبقى حتى بعد أن يمر الظلام ويعود الضوء من جديد.