رواية كامله


عند هذا الحد.
فبين تلك الأوراق كان هناك دفتر ادخار قديم غلافه مهترئ من كثرة ما فتح وأغلق عبر السنين لكن صفحاته كانت واضحة وأرقامه لا تقبل الشك. رصيد مالي يبلغ مليونا ومئتي ألف بيزو مسجل باسم واحد فقط
إلينا بيريز دي رييس.
شعرت حينها بأن قلبي سيتوقف.
ظللت أحدق في الاسم مرارا كأنني أخشى أن تكون عيناي تخدعانني. مررت أصابعي على الحروف ببطء أتحقق من كل حرف من كل نقطة. كان اسمي هناك مكتوبا بوضوح لا لبس فيه ولا مجال للخطأ.
وفي أسفل الصندوق وجدت ورقة أخيرة مطوية بعناية أصغر من غيرها لكنها أثقل وژنا في قلبي من كل ما سبق. فتحتها بيدين مرتجفتين وقرأت السطور القليلة التي بدت كأنها نقشت بدم القلب لا بالحبر
هذا لك يا ابنتي من القلب.
هذا المال وهذه الأرض دليل على أنني رأيت تضحيتك وقدرتها وعرفت قيمتها. لا تظني يوما أنني لم أرك أو أن صمتي كان جحودا.
أنجبت بناتي نعم لكنك أنت من أمسكت بيدي في ضعفي وأطعمتني وسهرت على راحتي ورافقتني في أيامي الأخيرة.
لا تبكي يا ابنتي. لن أدعك تحتاجين إلى شيء. لك بركتي ما حييت.
ما إن انتهيت من قراءة الكلمات الأخيرة حتى انهرت تماما. لم أعد قادرة على الوقوف أو التماسك. جلست على أرض الغرفة واحتضنت الأوراق إلى صدري كما يحتضن طفل غائب واڼفجرت في بكاء لم أعرف له مثيلا من قبل. بكاء خرج من أعماق روحي لا صوت فيه لكنه كان يملأ المكان.
تساقطت دموعي بغزارة وابتلت الأوراق ولم أبال. كنت أبكي على سنوات من الصبر على ليال طويلة قضيتها وحدي على تعب ظننته ضائعا وعلى حكم ظالم أطلقته في داخلي دون أن أعلم الحقيقة.
همست بصوت خاڤت مكسور رغم يقيني أن أحدا لن يجيبني
أمي إيزابيل سامحيني سامحيني لأنني شككت لأنني ظننتك لم تريني لأنني قسوت عليك في قلبي كنت مخطئة ظلمتك بحكمي.
بقيت على تلك الحال طويلا. لا أعرف كم مر من الوقت. كانت الغرفة ساكنة والهواء ثقيلا وكأن روحها ما زالت هناك تراقبني بصمت حنون.
في ذلك اليوم لم أخبر أحدا بما وجدت. لا زوجي ولا شقيقتيه ولا أي شخص آخر. شعرت أن ما بيني وبين دونيا إيزابيل كان عهدا خاصا لا يحتاج إلى شهود. أحرقت عودا من بخور الكوبال لأجلها كما كانت تحب دائما وملأ الدخان الخفيف الغرفة برائحة مألوفة أعادت إلي ذكريات كثيرة. ثم وضعت الظرف والمفتاح والرسائل بعناية على مڈبحها الصغير وأشعلت شمعة ووقفت صامتة أدعو لها بالرحمة.
لم نحتج أنا ودييغو إلى مواجهة أحد ولم نشعر برغبة في شرح أو تبرير أي شيء. كان السلام الذي ملأ قلبي في تلك اللحظة أعظم من أي انتصار علني وأغنى من أي نقاش أو صراع.
ومنذ تلك اللحظة تغير كل
شيء بداخلي. توقفت عن الشعور بالمرارة وعن استرجاع لحظات الظلم وعن مقارنة نفسي بالآخرين. أدركت أخيرا أن إرث دونيا إيزابيل الحقيقي لم يكن في الأملاك التي قرئت بصوت عال أمام الجميع ولا في الأرقام والعقارات بل في ذلك الفهم الصامت وتلك الحكمة العميقة والثقة المطلقة التي وضعتها في دون أن تخبرني.
علمتني أن العدل لا يكون دائما صاخبا وأن بعض القلوب تنصفك في الخفاء لا أمام الناس. وأن الحب الحقيقي قد يتأخر في الظهور لكنه لا يضيع أبدا.
وإلى اليوم في كل صباح حين أدخل الفناء المليء بأزهار الجهنمية وأشعر بنسيم لطيف يمر من حولي ويتمايل الضوء على الجدران الطينية يخالجني إحساس عميق بالسکينة. أغمض عيني أحيانا وأكاد أجزم أنني أسمع صوت حماتي يهمس في أذني بنفس النبرة الدافئة التي عرفتها في أيامها الأخيرة
امضي بسلام يا ابنتي لقد رأيتك وقدرتك ولك بركتي دائما.