كان زوجى قد أخبرني


ثوب ارتدته في مناسبة قديمة منديل خاطته بيدها وصورة دييغو وهو طفل مغطى بالطين يضحك بعينين تلمعان بالحياة.
جلست على طرف السرير مررت أصابعها على الصورة طويلا كأنها تلمس الزمن نفسه. ثم أخذت ورقة وقلما وبدأت تكتب. كان خطها يرتجف لا من الخۏف بل من ثقل القرار
شكرا يا بني لأنك تذكرتني.
بيتك جميل فخم ومليء بكل ما يحسد عليه الناس لكنه ليس بيتا لامرأة عجوز مثلي.
البيوت ليست جدرانا ولا طوابق بل قلوبا تتسع.
وأنا أعود إلى حيث أتنفس بحرية
إلى كوخي الصغير حيث لا أحتاج أن أبرر وجودي
وحيث لا أزال أعرف من أكون.
طوت الرسالة بعناية ووضعتها على الطاولة قرب سريره إلى جانب الصورة.
فتحت الباب ببطء وتلفتت حولها للمرة الأخيرة. كان القصر ساكنا غارقا في نوم ثقيل. خطت خارجا قدماها العاريتان تلامسان الأرض الباردة لكنها لم تشعر بالبرد. كان في داخلها دفء غريب دفء القرار الصحيح.
خرجت وحدها.
لا ضجيج.
لا وداع.
لكن بسلام لم تمنحه لها كل تلك الفخامة.
مع أول خيوط الفجر استيقظ دييغو. شعر بشيء ناقص فراغ غير مفهوم. نهض دخل غرفة أمه فلم يجدها. وقعت عيناه على الرسالة فالتقطها بيدين مرتجفتين. وما إن قرأ السطور الأولى حتى انكسر شيء في داخله شيء عميق لا يصلح بسهولة.
اندفع إلى الخارج يناديها بصوت مبحوح كما كان يفعل حين يضيع طفلا في الحقول
أمي! أمي!
لكن دونيا إلينا كانت قد ابتعدت. كانت في طريقها إلى قريتها تمشي بخطوات ثابتة رأسها مرفوع قلبها حر تحمل معها ما هو أثمن من أي قصر كرامتها وذاكرتها ونفسها التي رفضت أن تكون عبئا في بيت لا يعرف معنى الأمومة.