وصية الفتاة الصغيرة


لكن صوته خانه.
نهضت المرأة ببطء.
عن قرب كانت تفوح منها رائحة الغبار والملابس القديمة
وشيء آخر لم يستطع تسميته
شيء حامض وثقيل كالعفن العالق في الهواء.
أخبرك أحدهم أليس كذلك
سألته.
أومأ برأسه وجسده يرتجف.
ابتسمت.
إذن اقترب.
كان كل شيء داخله ېصرخ طالبا الهرب.
لكن صوتا آخر أهدأ وأعمق ذكره بالإيجار المتأخر
والصحون الفارغة
والدعوات التي لم يستجب لها.
مال بجسده إلى الأمام.
كانت القبلة باردة.
ليس برد الليل
بل بردا تسلل إلى داخله.
رنت أذناه.
انقبض صدره.
ولجزء من الثانية اختفى العالم.
ثم تكلم صوت داخل رأسه
تم قبول الدفعة.
تراجع ميخائيل مترنحا وهو يلهث.
مسحت المرأة شفتيها.
عد إلى بيتك قالت
وتذكر لا تستحم.
وقبل أن يسأل أي شيء استدارت واختفت في الظلام قرب السيارة المهجورة.
لم ينم ميخائيل تلك الليلة.
مع الصباح كان جسده يشعر بثقل غريب كأن شيئا فيه لم يعد في مكانه.
ثم رن هاتفه.
رقم لا يعرفه.
نبلغكم بصدور إشعار رصيد لحسابكم
قال صوت رسمي.
ضحك ميخائيل بعصبية.
لا بد أن هناك خطأ.
لا يوجد خطأ
أجاب الصوت.
وانتهت المكالمة.
حدق في هاتفه.
كان الرصيد قد تغير.
بمبلغ لم يره في حياته من قبل.
لم يحتفل ميخائيل.
جلس فقط.
لأن شيئا في داخله همس له بأن هذا ليس رزقا
بل صفقة.
في ذلك اليوم تغير الناس من حوله.
المالك ابتسم.
الجيران حيوه.
الغرباء أطالوا النظر إليه.
وكانت الرائحة ترافقه.
مهما غير ملابسه.
مهما استخدم من عطر.
وفي اليوم الثالث عادت الفتاة الصغيرة.
لم يفتح لها الباب.
لم يسمع طرقا أصلا.
كانت واقفة في منتصف الغرفة كما لو أنها خرجت من الجدار.
تستمتع بالمال قالت بنبرة خالية من السؤال.
تراجع ميخائيل خطوة إلى الوراء واصطدم ظهره بالحائط.
كيف دخلت
صړخ وقد اختنق صوته.
لكنها لم تجب.
ضحكت فقط ضحكة قصيرة مألوفة جعلت الهواء يثقل في الغرفة.
المرحلة الأولى دائما حلوة قالت.
الناس يظنون أن الصفقة انتهت هنا.
ثم نظرت حولها إلى الأثاث الرخيص إلى الغرفة التي بدأت تتغير وإلى المال المكدس على الطاولة.
لكن لا شيء يمنح بلا استمرار.
وقبل أن يلتقط أنفاسه لم تعد هناك.
لم تغادر بل اختفت.
في اليوم السابع كان ميخائيل يقف في حمامه يحدق في الصنبور كما لو كان يحدق في باب آخر.
قطرات الماء كانت تسقط بانتظام
صوتها وحده يملأ الفراغ.
كانت يده ترتجف وهو يمدها نحو المقبض ثم يسحبها ثم يمدها من جديد.
كان يعرف أن هذه اللحظة قادمة.
كان يعرف أنها لن تترك له خيارا.
خلفه تحرك الهواء.
يمكنك أن تستحم الآن.
لم يكن الصوت مرتفعا
لكنه كان قريبا قريبا جدا.
استدار ببطء.
كانت هناك.
تقف عند باب الحمام
الشعر المتشابك
الابتسامة نفسها
والعينان اللتان لا تعكسان الضوء.
كنت مطيعا قالت.
والطاعة تكافأ.
أراد أن يسأل ماذا سيحدث
أراد أن ېصرخ أن يهرب أن يفتح الباب ويركض.
لكن جسده لم يستجب.
كانت الرائحة في المكان أثقل من قبل
كأنها التصقت به
كأنها خرجت منه.
الماء لا يمحو ما تم قبوله أضافت بهدوء.
الماء فقط يكمل.
وحين أدار الصنبور
لم يكن الصوت صوت ماء فقط
بل صوت شيء يغلق خلفه.
منذ تلك الليلة لم يعد المال يتوقف.
لم يكن يأتي دفعة واحدة
بل على شكل تدفق هادئ منتظم
كما لو أن جهة ما تراقب احتياجاته وتسبقها.
ديونه اختفت.
بيته