عاملـة نظافة ردّت بالعربية على شيخ… واللي صار بعدها قلب الفندق!


أي مترجم. كانت المديرة تهز رأسها متظاهرة بأن الأمر طبيعي لكن شفتيها كانتا متيبستين.
نحو ساعة كاملة ترجمت لوسيا التعليمات ولاحظت انضباط الشيخ ودقته في كل تفصيل. أحست بابا ظل موصدا لسنوات ينفتح.
في الختام قدم لها كوب شاي.
نطقك قال بالعربية ليس نطق من تعلم في دورة. إنه نطق من عاش بيننا.
اضطرب قلب لوسيا.
كان ذلك منذ زمن بعيد أجابت بالعربية.
لم يلح لكن عينيه أوضحتا أنه لن يكتفي بهذا الجواب.
في تلك الظهيرة وهي تنظف ممر الطابق التنفيذي سمعت مشرفين يتهامسان
يقولون إنهم يستخدمونها للتقرب من الشيخ
وحين تنتهي فائدتها سيطردونها.
تابعت المسح كأنها لم تسمع غير أن الكلمات غاصت في صدرها.
كان الفندق يوم الجمعة في أقصى توتره. حدث حصري ينظمه الشيخ سيجمع رجال أعمال ومسؤولين في قاعة الزمرد. منذ الصباح استدعوا لوسيا لتكون مترجمة أمام الجميع.
استقبلتها المديرة بابتسامة مختلفة أقرب إلى التباهي كمن يعرض حيلة جديدة. وقفت لوسيا إلى جانب الشيخ تترجم كل تحية وكل عبارة رسمية. همس بعض الضيوف مهنئين
موهبة رائعة يا آنسة. نطقك مذهل.
للمرة الأولى منذ سنوات شعرت أن خطواتها تسمع في مكان كانت فيه غير مرئية. خلال استراحة قصيرة اقترب الشيخ وقال لها بالعربية
أنت أكثر قيمة مما يظنون.
خفضت بصرها محاولة إخفاء الفخر الذي ېحرق صدرها. فكرت أنها ربما تستعيد شيئا ظنت أنه ضاع الاحترام.
عند نهاية الحدث تقدمت المديرة ومعها عدد من التنفيذيين. قال أحدهم وهو يرفع كأسه
لوسيا كنت اليوم عنصرا أساسيا. الفندق ممتن لك.
كادت تبتسم حين ناولتها المديرة أمام الجميع ظرفا أبيض
هذا حافز بسيط لدعمك. يمكنك الانصراف.
كان الظرف خفيفا. في داخله بضعة أوراق نقدية فقط كأن كل جهدها لم يكن سوى خدمة عابرة.
لكنني ظننت أن بدأت.
لا تقلقي يا لوسيا قاطعتها المديرة بخفض الصوت لقد أتممت المطلوب. ابتداء من الغد سيتولى المترجم الرسمي الأمر.
كأن الأرض انكمشت تحت قدميها. تهاوى بريق العصر ونظرات الاحترام وكلمات الشيخ في لحظة واحدة. وهي تخرج سمعت ضحكة خلفها
أرأيت حتى عاملات النظافة يحلمن عاليا.
بلغت غرفة تبديل الملابس من غير رد. وضعت الظرف من دون أن تعد المال. تلك الليلة في الحافلة المتجهة إلى إيستاكالكو نظرت من النافذة وتركت أضواء المدينة تختلط بالمطر. ذاقت لحظة اعتراف ثم انتزعت من يديها.
ما لم تكن تعلمه أن أحدا في الفندق نفسه كان يضع خططا ليعيدها إلى الواجهة ولكن بطريقة أخرى.
بعد يومين وبينما تنظف في الطابق التنفيذي رن الهاتف الداخلي
الشيخ يريد رؤيتها. قاعة الزمرد. الآن قال صوت فالديس الحازم.
ترددت. بعد الإهانة كان آخر ما تريده هو العودة إلى تلك القاعة. لكنها أطاعت.
كان الباب مفتوحا. في الداخل لا حدث ولا ضجيج الشيخ جالس إلى طاولة طويلة ومعه رجلان مسنان وامرأة بحجاب خفيف. المديرة غائبة.
تفضلي بالجلوس قال الشيخ بإسبانية بطيئة لكنها واضحة.
جلست لوسيا ويداها متشابكتان في حجرها. نظر إليها بهدوء ثم عاد إلى العربية
أعرف من أنت.
ثقل الهواء. فتحت فمها لكنه تابع
قبل خمسة عشر عاما في الإسكندرية. كنت تعملين في مكتبة الجامعة. أتذكر لكنتك المكسيكية وطريقتك في مساعدة الطلاب والمسافرين على فهم النصوص القديمة. كنت أحدهم.
قشعر جلد لوسيا. ذلك الجزء من حياتها كان مدفونا. عادت إلى المكسيك بعد حاډثة لا تتحدث عنها ودعت بصمت ولم تحمل سوى حقيبة وبعض الذكريات.
بحثت عنك أضاف الشيخ
لا لأظهرك بل لأنك ساعدتني حين لم يكن لي اسم ولا ثراء. يومها منحتني أكثر مما تتخيلين.
خرج صوت لوسيا مكسورا
ولماذا الآن لماذا تبحث عني
ابتسم بلا غرور
لأنني أحتاج شخصا موثوقا تماما لمشروع ثقافي في بلادي وهذا الشخص