طلب منها رعاية ابنه… فاضطر للزواج منها على الورق لإنقاذ حضانة الطفل


تنام في الغرفة الأخرى.
ليڤيا.
توقف لحظة عند باب غرفتها. لم يكن معتادا وجود أحد آخر في البيت بعد رحيل زوجته. البيت الكبير الذي كان يوما مليئا بالأصوات صار فراغا واسعا يردد خطواته وحده. والآن هناك نفس آخر حركة أخرى حياة دخلت دون استئذان لكنها بدتعلى نحو غريبضرورية.
تراجع بهدوء وتوجه إلى المطبخ. أعد القهوة بيدين لا تزالان مترددتين وجلس إلى الطاولة ينظر إلى الأوراق المبعثرة أمامه ملفات الشركة مواعيد السفر ورسائل من محاميه تذكره بموعد الجلسة القضائية. لكن عقله لم يكن هناك. كان مع سؤال واحد لا يهدأ هل فعل الصواب
في الغرفة المقابلة استيقظت ليفيا قبل الجميع. لم تنم إلا ساعات متقطعة وكان النوم فيها خفيفا قلقا كأنها ضيفة في حياة لا تخصها. جلست على السرير لحظة تصغي. لم تسمع بكاء. لم تسمع حركة. فقط صمت ناعم مطمئن أربكها أكثر مما لو كان هناك ضجيج.
نهضت رتبت سريرها بدقة مبالغ فيها كما اعتادت أن تفعل حين تشعر بعدم الأمان ثم خرجت بحذر. رأت هوغو في المطبخ فشدت كتفيها تلقائيا لكنها لم تتراجع.
قالت بصوت منخفض
صباح الخير.
رفع رأسه وبدا عليه شيء من الإرهاق لكنه رد بابتسامة صغيرة صادقة
صباح الخير لم يبك طوال الليل.
هزت رأسها وكأنها لا تريد أن تظهر دهشتها. اقتربت من غرفة ثيو فتحت الباب وابتسمت ابتسامة خفيفة حين رأته. مدت يدها ولمسته برفق ففتح عينيه ببطء وما إن رآها حتى تحرك بجسده الصغير وأطلق صوتا خاڤتا يشبه الترحيب.
شعرت بشيء ينقبض في صدرها.
هي لم تكن أما. لم تحلم يوما بأن تكون. حياتها كانت سلسلة من المسؤوليات المؤجلة من أحلام أغلقت قبل أن تولد. ومع ذلك في تلك اللحظة شعرت بشيء غريب إحساس بالانتماء.
قضت الصباح تنظم البيت تلقائيا لا لأن أحدا طلب منها ذلك بل لأن الفوضى كانت تقلقها. رتبت الألعاب غسلت الزجاجات وأعدت وجبة بسيطة. كانت تتحرك بخفة وحذر كأنها تخشى أن تترك أثرا.
راقبها هوغو من بعيد ولم يتدخل. كان يرى في تفاصيلها الصغيرة ما لم ينتبه إليه من قبل الطريقة التي تخفض بها صوتها حين تقترب من الطفل كيف تراقب تنفسه قبل أن تبتعد كيف تعدل الستارة لتمنع الضوء القاسې. لم يكن هذا أداء. كان طبيعيا.
وقبل الظهر وصل أول اختبار حقيقي.
رن جرس الباب.
تجمد هوغو في مكانه. كان يعرف هذا التوقيت. يعرف هذا الرنين القصير الحازم. نظر إلى ليفيا ثم قال بهدوء مصطنع
إنهم أهلي.
شعرت ليفيا بانقباض في معدتها. لم تكن مستعدة. لم ترتد قناعا بعد. لم تتعلم الدور.
فتحت الباب فدخلت والدته أولا امرأة في أواخر الستين ملامحها أنيقة وقاسېة في آن واحد يتبعها الأب وشقيقة هوغو. نظراتهم مسحت المكان بسرعة ثم توقفت عند ليفيا.
قالت الأم بابتسامة باردة
إذا هذه هي.
لم تجب ليفيا. اكتفت بالانحناء الخفيف محاولة أن تحافظ على توازنها الداخلي.
جلسوا جميعا في غرفة الجلوس. ثيو كان بين ذراعي ليفيا هادئا على غير العادة حين يكون غرباء في المكان. لاحظت الأم ذلك وضيقت عينيها.
قالت بلهجة لا تخلو من اتهام
غريب لم نره هكذا من قبل.
رد هوغو بهدوء
ليس غريبا. هو يحتاج الاستقرار.
ابتسمت الشقيقة بسخرية خفيفة وقالت
استقرار أم ترتيب سريع لإنقاذ موقفك أمام القاضي.
ساد صمت ثقيل.
شعرت ليفيا بأن الكلمات موجهة إليها مباشرة لكنها لم تنطق. كانت تعلم أن أي رد قد يستخدم ضدها. لكن ما لم تتوقعه هو أن يتحرك هوغو.
وقف فجأة.
قال بصوت ثابت خال من التردد
ليڤيا زوجتي. وثيو ابني. ومن الآن فصاعدا أي حديث يقلل من شأنها
 
أو يشكك في نواياها لن أسمح به. لا هنا ولا في المحكمة.
تفاجأت العائلة. لم يعتادوا هذا الحزم منه. ولم تعتد ليفيا أن يدافع عنها أحد بهذه الطريقة.
قالت الأم بنبرة حاولت أن تخفي ڠضبها
نحن فقط نخاف على الطفل.
اقترب هوغو ونظر إليها مباشرة
وأنا أيضا. ولهذا اخترت ما أراه مناسبا لا ما يرضيكم.
ساد الصمت مجددا لكنه كان مختلفا هذه المرة. صمت حدود رسمت بوضوح.
بعد مغادرتهم أغلقت ليفيا الباب ببطء واستندت عليه للحظة. كانت يدها ترتجف. تنفسها غير منتظم. لكنها لم تبك.
اقترب هوغو وقال بصوت منخفض
أعلم أن هذا لم يكن سهلا. إن أردت التراجع الآن.
قاطعته بهدوء وهي تنظر إلى ثيو الذي كان يلعب بطرف قميصها
قلت إن لي شروطا. ولم أخل بها. أنا باقية في الوقت الحالي.
لم يقل شيئا. اكتفى بهز رأسه.
في تلك الليلة حين أطفئت الأنوار جلست ليفيا وحدها في غرفتها تفكر. كانت تعلم أن هذا الطريق لن يكون سهلا وأن النظرات ستزداد حدة والأسئلة أكثر قسۏة. لكنها كانت تعلم أيضا أن هناك طفلا ينام الآن بسلام لأول مرة منذ أشهر.
وفي الغرفة الأخرى جلس هوغو على حافة سريره ينظر إلى صورة قديمة لكارلا ثم إلى باب غرفة ابنه وهمس لنفسه
ربما هذه ليست خدعة فقط. ربما هي فرصة أخيرة.
وكان ثيو غير مدرك لكل ما يدور يحلم حلما هادئا وقد بدأ عالمه يتسع من جديد.
مرت الأيام التالية ببطء محسوب كأن الزمن قرر أن يراقب ما يجري قبل أن يحكم عليه. لم يعد البيت كما كان ولم يصبح بعد ما سيكون. كان في حالة بينية معلقة مثل اتفاق لم تختبر بنوده كاملة.
اعتادت ليفيا الاستيقاظ قبل الجميع. كانت تقوم بذلك دون منبه بدافع داخلي لم تفهمه تماما. تعد القهوة لهوغو وتتركها على الطاولة دون أن تناديه ثم تتوجه إلى غرفة ثيو. تفتح الباب بهدوء تراقب تنفسه أولا ثم تبتسم حين تراه يفتح عينيه ويتحرك فور إحساسه بوجودها.
كان يمد يديه نحوها في كل صباح كأن ذاكرته الصغيرة قررت أنها ثابت لا يساءل عنه. ومع كل مرة تحمله كانت تشعر بوخزة خفيفة في صدرها مزيج من خوف ولطف من مسؤولية لم تخترها لكنها لم تعد قادرة على إنكارها.
بدأ الروتين يتشكل. حمام دافئ في الصباح أغنية بسيطة تهمس بها دون أن تنتبه أنها تفعل ثم الإفطار. كانت تراقب ثيو وهو يأكل ببطء يلوث ثيابه وكرسيه فتضحك ضحكة قصيرة مكتومة ثم تنظف كل شيء بصبر غير متكلف.
هوغو كان يراقب من بعيد.
لم يتدخل في التفاصيل. لم يفرض تعليمات. كان يشعر أن أي خطوة زائدة قد تكسر التوازن الهش. اكتفى بأن يكون حاضرا حين يحتاج وأن يتعلم من جديد كيف يكون أبا لا مديرا.
في المساء بعد أن ينام ثيو كانت الصمت يعود إلى البيت لكنه لم يعد خانقا. كان صمتا محملا بمعنى بأفكار لم تقل بعد.
جلسا ذات ليلة في غرفة الجلوس كل منهما على طرف مختلف من الأريكة. التلفاز يعمل بصوت منخفض لا أحد يشاهده. تبادلا بضع كلمات عن الطقس عن جدول الغد عن مواعيد الأطباء. كلام آمن بلا حواف.
لكن تحت ذلك السطح الهادئ كان كل منهما يخوض صراعا صامتا.
ليفيا كانت تسأل نفسها إن كانت تخدع. إن كانت هذه الهدنة مؤقتة وإن كانت سترمى خارج هذا البيت فور انتهاء الحاجة. كانت تخشى أن تتعلق لا بهوغو بل بثيو وهذا كان الخطړ الحقيقي.
هوغو من جانبه كان يخشى شيئا آخر. كان يخشى أن يعتاد. أن يرى في