رواية كامله

سوفيا أبقت يديها مطويتين في حجرها كأنها لو شدت قبضتيها بما يكفي فلن يتسرب الإذلال إلى الخارج.
الكرسي المقابل لها كان فارغا.
كرسي رودريغو.
وبطريقة ما كلما طال بقاؤه فارغا بدا أكبر كأنه بقعة ضوء مسلطة مباشرة عليها.
ساعتان لاختيار فستان أبيض لا يعلق بعجلات كرسيها.
ساعتان للتدرب على الانتقالمن السرير إلى الكرسي ومن الكرسي إلى المقعدحتى ارتجفت ذراعاها وارتجفت كرامتها معها.
ساعتان تهمس لنفسها أمام المرآة أنت تستحقين الحب. تستحقين حياة طبيعية. تستحقين هذا.
رودريغو صمد بالضبط ثلاثا وأربعين دقيقة.
توقف.
لم يحسن حتى التمثيل.
تمتم بشيء عن طارئ في العمل لم ينظر في عينيها لم يمسك يدها لم يمنح الكذبة حتى الوقت الكافي لتبدو مقنعة.
غادر كأن جسدها خدعة لم يوافق عليها.
سوفيا لم تلاحقه.
لم تتوسل.
لم تواجهه.
لأنها تعلمت قواعد الهجر منذ زمن بعيد
إذا رحلت أولا يكون الألم أقل.
حدقت في قهوتها التي لم تمس بينما كان مقهى ميراسول يستمر من حولهاصوت الملاعق ضحكات خفيفة والمطر يطرق الزجاج كأصابع نافدة الصبر.
أغمضت عينيها بسرعة.
لكن فات الأوان.
انزلقت دمعة على خدها رغما عنها.
حينها اخترق صوت صغير الضجيج.
لماذا تبكين
رفعت سوفيا رأسها.
طفلة صغيرة وقفت إلى جانب طاولتها ربما في الخامسة من عمرها بذيل حصان ربط على عجل وعينين لا تحملان قسوةبل فضولا فقط.
ثم قالت الطفلة مرة أخرى كأنها أبسط حقيقة في العالم
أبي يقول إنك جميلة.
تجمدت سوفيا.
انقبض صدرها كأن يدا امتدت إلى الداخل وضغطت بقوة.
قبل أن تنطق أسرع رجل نحوهمالاهث مرتبك.
لونايا إلهي أنا آسف جدا قال. لا ينبغي لهالم تقصد
انحنى إلى مستوى الطفلة محاولا تصحيح الأمر بلطف.
لا يمكنك الاقتراب من الغرباء هكذا يا حبيبتي. عليك أن تسألي أولا.
لكن لونا أصرت مشيرة إلى سوفيا كأنها تشير إلى زهرة
لكنها كانت تبكي يا أبي. وأنت قلت إنها جميلة.
أغمض الرجل عينيه لثانية واحدةكمن ضبط وهو يقول الحقيقة بصوت عال.
ثم نظر إلى سوفيا.
وتحضرت سوفيا لذلك التعبير الذي تعرفه جيداالشفقة.
لكنه لم يأت.
ما رأته في وجهه لم يكن انزعاجا.
كان صدقا.
قال بهدوء أنا آسف حقا. ابنتي بلا مرشح.
ضحكت سوفيا ضحكة صغيرةحادة مرة مفاجئة.
قالت الأطفال لا ېكذبون.
ازداد ضغط المطر على الزجاج.
الټفت بعض الجالسينكالعادة. كانت النظرات دائما حاضرة. تعلمت سوفيا أن تعيش داخلها كزجاج مكسور بحذر بصمت بحماية.
تردد الرجل ثم مد يده ببطء واحتراملا سريعا ولا مترددا.
أنا مارتين قال. وهذا الإعصار اسمه لونا.
ابتسمت لونا بفخر.
صافحت سوفيا يدهوللمرة الأولى لم يكن اللمس محملا بالخۏف أو الحرج. كان مجرد مصافحة. كأن جسدها ليس لغزا على العالم أن يحله.
سوفيا قالت.
أضاء وجه لونا فورا.
اجلسي معنا! صاحت. أنا أرسم. أستطيع أن أرسمك!
نظرت سوفيا إلى طاولتها.
الكرسي الفارغ.
هاتفها.
اسم رودريغو محظور بالفعل.
في داخل رأسها همس الصوت المألوف
ارحلي قبل أن يرحلوك.
هو الصوت الذي جعلها تترك وظائف قبل أن تأتي المحادثة.
الصوت الذي جعلها تلغي خططا لأن سهولة الوصول قد تكون مزعجة.
الصوت الذي أقنعها أن الوحدة أكثر أمانا من الأمل.
لكن لونا كانت تنظر إليها كأن العالم بسيط.
وأدركت سوفيا فجأة شيئا مخيفا
هي لا تريد البساطة.
هي تريد الحقيقة.
ابتلعت سوفيا ريقها وحلقها مشدود.
أنا لا أريد أن أكون وحدي اعترفت.
ابتسمت لونا كأنها فازت بجائزة.
حرك مارتين الكراسي وأفسح المجال دون استعراض. لم يتصرف كأنه يساعد. تصرف كأنه يفسح مكانالأنها تنتمي.
وللمرة الأولى تلك الليلة شعرت سوفيا أنها تستطيع التنفس.
في البداية كان الحديث بسيطا.
ألوان. مطر. معجنات.
لكن الأشخاص المنكسرين يجدون شقوق بعضهم البعض دون قصد.
كان لدى مارتين حاسوب محمول مفتوحمخططات وخطوط نظيفة.
مهندس سألت سوفيا بدهشة.
أومأ. مبان مستدامة.
كانت لونا تلون بتركيز شديد ثم قالت فجأة كأنها تصف الطقس
أبي يصبح نحيفا عندما يكون حزينا. وعندما يحزن ينسى أن يأكل.
فرك