قال لها ستموتين قريبًا… فابتسمت وأفشلت خطته في اللحظة الأخيرة


الخطۏرة ولم يتحول المړض إلى معجزة لكن عبارة حالة نهائية استبدلت باستجابة جزئية للعلاج. لم يكن ذلك انتصارا كاملا لكنه لم يكن حكما بالمۏت.
كان أفقا صغيرا لكنه حقيقي.
للمرة الأولى منذ دخولها المستشفى شعرت أن الزمن لم يعد عدادا تنازليا في يد غيرها.
سلمت كارمن ظرفا يحوي نسخة من كل ما وثقته صور التواقيع تسجيلات الزيارات نسخ الأوامر الطبية. ثم قدمت استقالتها رسميا وغادرت المستشفى بعقد عمل جديد في مركز بحثي مرموق ومنحة دراسية تكمل بها تخصصها الذي طالما حلمت به.
قبل أن ترحل وقفت عند باب الغرفة لحظة ونظرت إلى لوسيا بنظرة امتنان متبادل.
لقد فعلتها قالت بهدوء.
ابتسمت لوسيا ابتسامة خفيفة لم تكن ابتسامة انتصار بل استعادة.
لا أجابت أنا فقط تذكرت من أكون.
عادت لوسيا إلى منزلها بعد شهر.
دخلته ببطء مستندة إلى عكاز خفيف. الجدران نفسها الأثاث نفسه اللوحات نفسها. لكن الهواء مختلف. لم يعد البيت ساحة انتظار لميراث مرتقب بل مساحة استعادتها امرأة من حافة الغياب.
الزنابق البيضاء التي كان أليخاندرو يتركها عند المدخل في زياراته المسرحية بقيت خارج الباب. طلبت من العامل أن يزيلها جميعا.
لا أريد رائحة لا تشبهني قالت بهدوء.
جلست قرب النافذة المطلة على الحديقة الصغيرة. كانت الشمس في آخر النهار تلامس الزجاج بلطف كأنها تحاول التسلل إلى الداخل دون استئذان. الألم ما زال يسكن جسدها والدواء لم يكن سحرا لكن الخۏف لم يعد موجودا.
وذلك وحده كان فرقا هائلا.
طلبت ملفات الشركة. لم تنتظر أحدا ليقرأ لها ما يخصها. أعادت توزيع الأسهم بعناية وسحبت بعض الصلاحيات التي كانت قد منحتها بدافع الثقة. عدلت وصيتها لا بدافع الاڼتقام بل بدافع الترتيب.
وأضافت بندا واضحا لا يحتمل التأويل
أي قرار طبي يخصني لا يعتمد إلا بتأكيد صريح مني مهما كانت حالتي الجسدية أو الدوائية.
لم يكن ذلك تحديا لأحد.
كان حماية.
حماية لامرأة كادت ټدفن وهي حية لا لأن جسدها توقف بل لأن صوتها أسكت.
في إحدى الأمسيات زارها توماس. جلس مقابلها في غرفة المعيشة التي أعادت ترتيبها بنفسها وأزال منها كل ما كان يذكرها بالاستعراض الفارغ.
كان بإمكانك فضحه علنا قال كان بإمكانك تحطيمه بالكامل.
هزت رأسها بهدوء.
لا أريد أن أعيش ما تبقى لي وأنا ألاحق ظلاله. يكفي أنني أوقفت يده.
لكنه حاول أن يسلبك كل شيء.
حاول صححت بهدوء لكنه لم ينجح.
صمت لحظة ثم سألها
هل تخافين مما سيأتي
نظرت إلى الحديقة إلى شجرة الليمون التي لم تنتبه إليها منذ سنوات. كانت أغصانها مثقلة بثمار صفراء لم تقطف.
لا قالت أخاف فقط من أن أعود يوما إلى الصمت.
فهم توماس ما تعنيه.
الصمت الذي يجعل المرأة تبتسم حين تهان.
الصمت الذي يجعلها توقع وهي لا تقرأ.
الصمت الذي يقنعها أن الصبر فضيلة حتى حين يكون اڼتحارا بطيئا.
في تلك الليلة أطفأت الأنوار بنفسها. مشت ببطء نحو غرفتها دون أن تترك بابا
مفتوحا خلفها كما كانت تفعل حين تخشى أن يدخل أحد دون صوت.
استلقت على سريرها. وضعت يدها على صدرها تشعر بنبض لا يزال يعمل لا بإذن أحد.
تذكرت اللحظة التي همس فيها أليخاندرو فوق سرير المستشفى. تذكرت كلماته. لم تعد تؤلمها.
لقد تحولت من سکين إلى درس.
وللمرة الأولى منذ زمن طويل نامت بلا خوف.
لم تكن تعرف كم يوما تبقى لها. ربما أسابيع ربما سنوات قليلة. المړض لم يختف والضعف لم يتلاش.
لكنها عرفت شيئا أهم من عدد الأيام.
أن حياتها ليست حسابا في يد أحد
ولا توقيعا على ورقة
ولا همسة فوق سرير ظن صاحبها أنها لا تسمع.
لقد سمعت.
وتكلمت.
واستعادت صوتها قبل أن يستعيدها المۏت.
ولذلك مهما كان عدد الأيام المتبقية فقد أصبحت كلها لها.