3 أطفال بقمصان زرقاء اقتحموا مكتبه ليلًا… وبعد ساعات تغيّر مصير رجل أعمال للأبد!


يفكر إن كان من اللائق ذلك وأبوهم
خفضت كلاريس عينيها لا يوجد أب أو بالأحرى يوجد لكنه ليس في حياتهم. غادر عندما اكتشف أنهم ثلاثة توائم. قال إنه لن يستطيع إعالة ثلاثة أطفال دفعة واحدة. قالت ذلك بحزن عميق جعل هنريكي يشعر بوخزة في صدره ليست ضيقا هذه المرة بل ڠضبا من رجل لا يعرفه.
قال هنريكي بصوت يحمل حقيقة لا سؤالا أنت تعتنين بهم وحدك.
هزت رأسها أعيش مع أخي الأصغر. يساعدني حين يستطيع لكنه يعمل نهارا. في النهاية أنا وحدي. أعمل هنا ليلا لأنني في النهار أبقى معهم. لا أملك مالا لأدفع حضانة لثلاثة. لذلك أفعل هكذا. أخي يبقى في البيت نائما وعيونه عليهم بينما آتي أنا للعمل. شرحت ذلك ولاحظ هنريكي التعب في صوتها لم يكن تعب جسد فقط بل تعب روح تحمل حملا أكبر من طاقتها.
كان هنريكي على وشك أن يسأل شيئا آخر لكن الطفل الذي في حجره ترك القلم والټفت لينظر مباشرة في وجهه.
رفع الطفل يديه الصغيرتين ووضعهما على جانبي وجه هنريكي وأصابعه الباردة تلمس بشرته الدافئة وأخذ ينظر في عينيه كأنه يحاول فهم شيء شديد الأهمية.
تجمد هنريكي أسيرا لذلك النظر الأزرق العميق وفجأة شعر بعقدة كبيرة تصعد إلى حلقه.
أمال الطفل رأسه قليلا وهو لا يزال يمسك وجهه وقال بصوت خاڤت تيتو تيستي.
كانت الكلمة ملخبطة كما ينطق الأطفال لكن هنريكي فهمها تماما عمو حزين.
لقد لاحظ الطفل أنه حزين.
تنهدت كلاريس وقالت برفق أكبر من قبل سيرجيو لا تعبث بوجه الدكتور هكذا.
شعر هنريكي بحرارة تلسع عينيه فغمضهما سريعا ليبعد ذلك الإحساس السخيف بالرغبة في البكاء أمام موظفة وثلاثة أطفال لا يعرفهم إلا منذ دقائق.
قال بصوت متماسك بالكاد لا بأس.
استمر الطفل سيرجيو في إمساك وجهه ثم فجأة طبع قبلة رطبة على خد هنريكي قبلة طفل صغيرة أقرب إلى لعقة منها إلى قبلة حقيقية.
رأى الطفلان الآخران ذلك فتسلقا هنريكي كأنه شجرة وبدآ يقبلانه على وجهه أيضا. أمسك أحدهما أذنه الصغيرة وشدها كأنه يريد لفت انتباهه.
لم يستطع هنريكي أن يمنع نفسه فاڼفجر ضاحكا ضحكة حقيقية خرجت من أعماق صدره ضحكة لم يطلقها منذ أشهر.
أحب الأولاد ذلك فضحكوا معه وامتلأت الغرفة بضحكاتهم الحادة التي كسرت ذلك الصمت الخانق.
كانت كلاريس تحدق بعينين متسعتين كأنها ترى أمرا مستحيلا يحدث أمامها.
قالت مرة أخرى وهي تخفي فمها بيدها لا أصدق هم لم يفعلوا هذا لم يفعلوا هذا مع أي أحد قط!
هذه المرة كانت تبكي فعلا دموع تنهمر على وجهها وهي تبتسم في آن واحد.
لم يكن هنريكي يعرف ماذا يقول فبقي يحمل الأطفال الثلاثة الذين ظلوا ملتصقين به كأنه قريب لهم.
نجح الطفل الذي يعبث بربطة عنقه في سحب العقدة وإرخاء الربطة تماما. عادة كان هنريكي سيغضب فهذه ربطة عنق باهظة كان قد تلقاها هدية من والده منذ سنوات لكنه في تلك اللحظة لم يشعر بأي ذرة انزعاج. بل بدا له الأمر مضحكا أن يرى الصغير فخورا وهو يلوح بالربطة في الهواء كأنها راية.
قال هنريكي مازحا وهو ينظر إلى كلاريس أظن أنه رقاك إلى منصب تنفيذي غير رسمي.
كانت أول مزحة يقولها منذ أسابيع وخرجت متخشبة قليلا لكن كلاريس ضحكت ضحكة منخفضة مبللة بالدموع جعلت وجهها المتعب أخف.
مرت الدقائق وبقي الأولاد هناك تارة يعبثون بشيء من على الطاولة وتارة يلتصقون به فحسب يطلقون أصوات الأطفال العشوائية. جلست كلاريس على الكرسي المقابل للطاولة لأن ساقيها كانتا ترتجفان كثيرا لتبقى واقفة. كانت تراقب
أبناءها بملامح تمتزج فيها الصدمة بالسعادة.
قالت فجأة بصوت خاڤت كأنها تبوح بسر تعرف يا دكتور عندما ولدوا كنت سعيدة جدا. لكن بعد أن رحل أبوهم ورأيت أن علي تربية الثلاثة وحدي خفت كثيرا كثيرا خفت ألا أستطيع وأن أفشل معهم وأن يكبروا بلا شيء وأن يكون ذلك كله ذنبي.
كان الألم في صوتها حقيقيا لدرجة أن هنريكي شعر به في صدره. تابعت ثم صاروا هكذا منغلقين لا يريدون أحدا قريبا. وظننت أن ذلك بسببي أنني أفعل شيئا خاطئا وأنهم يشعرون بأنني لست كافية.
مسحت وجهها بكم زيها لكن الآن وأنا أراهم هكذا معك أظن أنهم كانوا فقط ينتظرون شخصا وتوقفت تبحث عن الكلمات المناسبة شخصا يحتاج إليهم بقدر ما يحتاجون هم إلى أحد.
نظر هنريكي إليها دون أن يعرف ماذا يجيب. كانت كلماتها قد أصابت شيئا عميقا داخله لم يكن يعرف أنه موجود أصلا.
أنزل نظره إلى الأطفال الثلاثة الذين هدأوا الآن. كان أحدهم على وشك النوم متكئا على ذراعه. والآخران يعبثان بأزرار سترته بتركيز شديد كأنهما يؤديان أهم مهمة في العالم.
سأل هنريكي هل تحضرينهم إلى هنا كل يوم
أجابت كلاريس نعم. لا أجد من يعتني بهم ليلا. أخي يعمل في حانة ولا يعود إلا بعد منتصف الليل. فإما أن أحضرهم أو لا آتي إلى العمل وأنا أحتاج للعمل.
قال وأين يكونون بينما تنظفين
قالت هناك غرفة صغيرة
في آخر الممر لا يستخدمها أحد. أضع بعض الأغطية على الأرض فينامون هناك أو على الأقل كان ينبغي أن يناموا. اليوم قرروا أن يمشوا في الممرات كدت أجن وأنا أبحث عنهم حتى أدركت أنهم جاؤوا إلى هنا.
نظر هنريكي إلى الأوراق على الطاولة إلى تلك الأكوام من الوثائق التي تعني نهاية وظائف مئات الأشخاص. وفجأة بدا كل ذلك أصغر ليس أقل أهمية لكنه أصغر حين يوضع أمام ما يهم حقا.
قال كم غرفة عليك تنظيفها كل ليلة
بدت كلاريس مندهشة من السؤال ثلاثة طوابق كاملة كل المكاتب والحمامات والممرات وغرفة الاستراحة.
قال هنريكي وحدك
هزت كتفيها هناك فتاتان تعملان معي لكن كل واحدة في طابق. نلتقي أحيانا.
حسب هنريكي بسرعة في ذهنه وأدرك أنها غالبا تعمل عشر ساعات كل ليلة تحمل الدلو والقماش تصعد وتهبط السلالم ثم بعد ذلك تقضي النهار كله مع ثلاثة أطفال صغار وتتقاضى راتبا كان واثقا أنه ضئيل جدا.
عاد إليه الشعور بالذنب الذي كان يعتصره قبل قليل لكنه الآن صار بطبقة مختلفة لم يعد ذنبا تجاه الموظفين الذين سيفصلهم فحسب بل ذنب لأنه لم يتوقف يوما ليفكر في أناس مثل كلاريس أناس يعملون يوميا عملا شاقا غير مرئي يبقون المكان قائما بينما هو في الأعلى يتخذ قرارات مبنية على أرقام ورسوم بيانية كأن ذلك وحده هو المهم.
قال هنريكي فجأة كلاريس هل يمكنني أن أسألك سؤالا صريحا
نظرت إليه پذعر خفيف كأنها تتوقع أن تطرد طبعا يا دكتور.
سأل هل أنت سعيدة
تجمدت كلاريس لحظة ونظرت إلى أبنائها. ثم قالت ببطء السعادة كلمة معقدة يا دكتور. أنا أحب أولادي أكثر من أي شيء في الدنيا فمن هذه الناحية نعم أنا سعيدة. لكن سعيدة بمعنى أن أستيقظ كل يوم وأنا متحمسة للحياة لا لست سعيدة. أستيقظ متعبة وأنام متعبة وأعيش متعبة لكن ماذا نفعل الحياة هكذا لأمثالنا.
كانت في صوتها استسلام كسر قلب هنريكي.
قال بصوت خاڤت كأنه يكلم نفسه لا ينبغي أن يكون الأمر هكذا.
ابتسمت كلاريس ابتسامة حزينة أنت رجل طيب يا دكتور يظهر ذلك. لكن العالم لا يعمل