رواية كامله


حياة أصبحت، أخيرًا، ملكي.
أصعب شعور ليس الجوع، بل أن تشعر أنك زيادة على كوكب الأرض.. نمتُ ليلتي الأولى في زاوية المسجد، أحتضن كيس ملابسي كأنه طفلي الصغير. كنت أسمع صوت ابني في أذني وهو يقول لي في طفولته يا أمي لا تتركيني.. والآن هو من تركني!
في الفجر، شعرت بيدٍ خشنة تمسح على رأسي. كانت أم السعد، سيدة تبيع الخضار في السوق القريب. نظرت إليّ وقالت البيوت التي تُبنى على جحود الأبناء تسقط يا خالة.. قومي، الرصيف لا يليق بوقارك.
أعطتني 50 جنيهاً أو ريالاً وقالت لي هذا سلف.. أريد أن أرى شطارتك غداً. لم أكن أعرف أن هذه ال 50 ستكون بذرة الإمبراطورية التي سأبنيها.. فماذا فعلت بها؟
ذهبتُ للسوق، لم أشترِ ثياباً ولا غطاءً.. اشتريتُ دقيقاً، وزعتر، وكيساً من البن الصافي. نصبتُ بسطة خشبية متهالكة في زاوية الشارع. بدأتُ أعجن وأخبز مناقيش صغيرة برائحة السمن البلدي التي افتقدها الناس في عصر الوجبات السريعة.
كان المارّة يقفون مذهولين.. الرائحة كانت تُعيدهم لبيوت أمهاتهم. في أول يوم، نفد كل شيء في ساعة واحدة! بدأ الناس يسألون من هذه السيدة الوقورة التي تطبخ بقلبها؟ أسموني خالة الكرامة.. لأن عزة نفسي كانت تسبق يدي.
لكن الصدمة كانت في اليوم العاشر.. حين مرّت سيارة ابني من أمام البسطة! هل رآني؟ وكيف كانت ردة فعله؟
توقفت السيارة السوداء.. نزل منها ابني ماجد. كان يرتدي بذلته الأنيقة التي كويتها له بيدي آلاف المرات. نظر إلى البسطة، وإلى الدقيق الذي يغطي ثيابي، وإلى الزبائن الذين يلتفون حولي. قال بصوت خاڤت أمي.. ماذا تفعلين هنا؟ فضحتِنا بين الناس! ارجعي للبيت فوراً.
نظرتُ إليه بهدوء، لم تدمع عيني هذه المرة. وضعتُ رغيفاً ساخناً في يد عامل نظيف كان يقف بجانبي وقلت لابني هذا البيت البسطة بنيتُه بكرامتي.. أما بيتك فقد سقط من عيني يوم أغلقته في وجهي. أنا لستُ عبئاً يا ماجد.. أنا البركة التي طردتها بيدك!
حاولت كنّته التدخل، لكن الجمهور والعمال الذين أحبوني وقفوا لها بالمرصاد! ما حدث بعدها كان معجزة..
مرت سنة.. البسطة أصبحت مطعماً صغيراً، ثم كبر ليصبح أشهر مكان في المدينة. لم يعد مطعماً للأكل فقط، بل جعلتُ فيه ركناً خاصاً لكل أم مطرودة أو سيدة جار عليها الزمن.. ليعملن بكرامتهن.
أما ابني؟ فقد دارت به الدوائر.. خسر وظيفته، وضاقت به الدنيا، وجاءني يوماً يقف في طابور الوجبات المجانية التي أوزعها كل جمعة وهو لا يعرف أن صاحب المطعم هي أمه.
حين رآني، سقطت دمعته.. لكنني لم أطرده. أعطيته الطعام وقلت له كُل يا بني.. فالأم لا تعرف القسۏة، لكنها أيضاً لا تنسى من كسر خاطرها وهي تحمل كيس ملابسها في عز البرد.
لم تكن الطريق مفروشة بالورود.. فجأة ظهر لي المنافسون. أصحاب المطاعم الكبيرة في الشارع لم يعجبهم أن عجوزاً ببسطة خشبية تسرق منهم الزبائن برائحة طعامها البيتي.
في ليلة مطيرة، جاءني رجل ضخم يرتدي سترة جلدية، ركل طاولة العجين بقديمه وقال بصوتٍ أجش هذا الركن محجوز.. ارحلي من هنا وإلا...
كنتُ وحدي، أرتجف من البرد والخۏف. لكن فجأة، خرجت فتاة شابة من ورشة ميكانيكا قريبة، يديها ملطخة بالشحم، ووقفت أمامه كالأسد لو لمست طرف ثوبها، سأحرق لك سيارتك! هذه أمنا كلنا.
تلك الفتاة كانت سلوى، يتيمة تعمل في مهنة شاقة لتعيل إخوتها. في تلك الليلة، لم أعد وحيدة. ضمتني سلوى وقالت يا خالة، أنتِ أطعمتني مجاناً حين كنتُ أتلوى جوعاً.. اليوم أنا جنديتكِ.
مرت سنتان.. بسطة الكرامة أصبحت محلاً صغيراً بلافته أنيقة. وفي يومٍ مشمس،