رواية كامله


دخلت زبونة تضع نظارات شمسية باهظة وتفوح منها رائحة عطرٍ فرنسي.
كانت كنّتي! لم تعرفني في البداية لأن الشقاء غيّر ملامحي، والنجاح أعطاني هيبة لم تكن فيّ. طلبت أغلى وجبة في القائمة، وحين جاء وقت الحساب، لم تجد محفظتها! ارتبكت، وتلعثمت، وبدأت تعتذر وهي تنظر للأرض.
مددتُ يدي من خلف المحاسب، وأعطيتها كيساً بلاستيكياً تشبه تماماً الكيس الذي طردتني به، وضعتُ فيه وجبتها وقلتُ لها بهدوء خديها.. هي هدية من صاحبة المكان.
رفعت رأسها، جمدت الډماء في عروقها حين رأت عينيّ. سقطت منها حقيبتها الفاخرة وهي تهمس أنتِ؟ كيف.. كيف وصلتي إلى هنا؟
قلت لها بابتسامة المنتصر وصلتُ بدعاء المظلوم.. وببركة الكيس الذي استهزأتِ به يوماً.
الدنيا دوارة.. علمتُ لاحقاً أن ابني ماجد خسر كل أملاكه في صفقة خاسرة، وأن البيت الذي طردوني منه عُرض في المزاد العلني لسداد ديونه.
كنتُ أملك المال الكافي لشرائه، لكنني لم أفعل! لماذا؟ لأنني لم أعد تلك المرأة التي تحلم بجدران مغلقة. أنا الآن أملك الشارع كله، أملك قلوب الناس.
جاءني ابني منكسراً، يقف عند باب مطعمي، لا يجرؤ على الدخول. كان يرتدي قميصاً مجعداً وشحوب الفقر يكسو وجهه. أرسلتُ له سلوى بظرف مغلق.. فتح الظرف فوجد فيه مفتاح شقة صغيرة باسمه، ومعها ورقة مكتوب فيها
لا أقبل أن ينام ابني في الشارع كما فعل بي.. لكن لا أقبل أيضاً أن يعيش في بيتي. هذه الشقة لك لتبدأ من جديد.. كافح كما كافحت أمك.
اليوم، أنا أجلس على مقعدٍ
خشبي أمام مطعمي الكبير الذي أسميته بيت الغرباء. بجانبي سلوى التي أصبحت مديرة المكان وابنتي التي لم تلدها بطني. ومامي كيسي البلاستيكي القديم؟ علقتُه في بروازٍ مذهب بوسط المطعم!
ليعرف كل من يدخل، أن الانكسار ليس نهاية العالم، بل هو أحياناً الدفعة التي نحتاجها لنطير. الكرامة يا أولادي لا تُطلب من الأهل، بل تُصنع باليد والعمل.
شكراً لكل باب أُغلق في وجهي.. فلولاه، لما عرفتُ أن الله سيفتح لي أبواب الدنيا كلها.