رواية كامله


كان يقول إنه لا يريد أطفالا.
مر قرابة عام. لم يسأل خافيير عن التوأم ولو مرة واحدة. انتقلت إلى بلد الوليد وحصلت على عقد عمل ثابت في مكتب إداري بفضل دورة مجانية واستأجرت شقة صغيرة بنوافذ لا ترتجف. ظلت الحياة صعبة لكنها لم تعد ظلاما كاملا.
ذات مساء وعندما فتحت إنستغرام ظهرت لي صورة خافيير ببدلة رسمية وامرأة شقراء إلى جانبه يبتسمان أمام كنيسة. التعليق العد التنازلي بدأ! زفاف_الأحلام. شعرت بالغثيان لا بسبب ذكرى الحمل بل بسبب السهولة التي أعاد بها كتابة القصة. في التعليقات كان أصدقاء مشتركون يهنئونه كما لو كان رجلا مثاليا.
في تلك الليلة بينما كان ماتيو ولوسيا نائمين وقد انفرجت ملامحهما أخيرا بعد يوم طويل من البكاء المتقطع جلست إلى الطاولة الصغيرة قرب النافذة. كانت المدينة هادئة على غير عادتها وكأنها تحبس أنفاسها. فتحت الملف الذي جمعت فيه كل ما تبقى من تلك الليلة البعيدة أوراق تقارير صور رسائل تواريخ. كل ورقة كانت تحمل وژنا أكبر من حجمها وكل سطر كان يشبه ندبة لا تختفي.
أخرجت ورقة بيضاء وكتبت عليها بخط ثابت لم أعرف من أين جاءني
الثلج لا يمحو الآثار.
وضعتها على الغلاف وأغلقت الملف ببطء كما لو كنت أغلق فصلا من حياتي لا لأدفنه بل لأحمله معي إلى الضوء. في تلك اللحظة أدركت أن الصمت لم يعد خيارا وأن الحقيقة إن بقيت حبيسة الأدراج ستتعفن بينما إن قيلت في العلن فقد تؤلم لكنها تحرر.
لم أنم تلك الليلة. ظللت أراقب تنفس طفلي أعد أنفاسهما وأستعيد في ذهني كل خطوة أوصلتني إلى هنا. لم يكن في قلبي ڠضب أعمى بل حزن عميق تحول ببطء إلى تصميم. لم أرد الاڼتقام ولم أرد التشهير.
أردت فقط ألا يكافأ من اختار أن ينجو وحده ويدفع الآخرين إلى العاصفة.
جاء يوم الزفاف تحت شمس ساطعة تكاد تكون مستفزة ببهجتها. السماء صافية والهواء عليل وكأن الطبيعة نفسها تسخر من المفارقة. ارتديت معطفا بسيطا وربطت شعري بإحكام وألبست ماتيو ولوسيا قبعاتهما الصوفية رغم الدفء أردتهما أن يبدوا كما هما حقيقيين بلا زينة بلا ادعاء.
وصلت إلى الكنيسة قبل بدء المراسم بقليل في تلك الدقائق الرمادية التي تسبق التحول حين لا يكون الداخل قد امتلأ تماما ولا الخارج قد فرغ من المترددين. كانت الأبواب شبه مفتوحة والأصوات تتسرب إلى الساحة الحجرية أمامها ضحكات متقطعة عبارات تهنئة نقاشات خفيفة عن ترتيب الطاولات عن لون الزهور عن وجهات السفر التي تشبه الوعود أكثر مما تشبه الواقع. كان كل شيء يبدو طبيعيا إلى حد مستفز كأن العالم لم يعرف قط معنى أن يغلق باب في وجه امرأة في منتصف العاصفة.
وقفت لحظة عند الباب الجانبي لم أتعجل الدخول. شددت قبضتي حول الملف الذي صار أثقل
من وزنه الحقيقي وشعرت بخشونة حوافه تضغط على راحة يدي. تنفست بعمق لا لأهدئ نفسي بل لأثبت قدمي في الأرض. لم يكن في صدري خوف بل شيء أعمق شيء يشبه الهدوء الذي يسبق الانفجار السكون الذي يأتي حين يصل الإنسان إلى نقطة لا يعود بعدها التراجع ممكنا.
دخلت بخطوات محسوبة لا بطيئة ولا مسرعة. كان صرير خفيف للأرضية تحت قدمي لكن أحدا لم يلتفت. جلست في الصفوف الخلفية واضعة ماتيو في حضڼي الأيمن ولوسيا في الأيسر. كانا هادئين على غير عادتهما كأنهما يشعران بثقل المكان. أحاطت بي نظرات فضولية نظرات لم تفهم لماذا توجد امرأة تحمل طفلين رضيعين في كنيسة مزينة للفرح. لم