رواية كامله


أهتم. لم أعد أملك طاقة لتبرير وجودي في أي مكان.
رفعت بصري ببطء نحو المذبح. كان خافيير واقفا هناك منتصب القامة أنيقا في بدلته يبتسم بثقة من اعتاد أن يصدق. كانت تلك الابتسامة نفسها التي كان يرسمها حين يريد أن يبدو بلا خطأ بلا ماض بلا التزامات. للحظة قصيرة مر في صدري شعور حاد ليس حنينا ولا شوقا بل دهشة مؤلمة من قدرة الإنسان على محو الآخرين من ذاكرته وكأنهم لم يكونوا يوما جزءا من حياته.
حين بدأ الكاهن حديثه انساب صوته في المكان بنبرة رسمية يتحدث عن الالتزام عن الشراكة عن الرعاية في الصحة والمړض عن المسؤولية المشتركة. ومع كل كلمة كانت تلك الليلة تعود إلي قطعة قطعة صفير الريح بين الأبنية الطقة المعدنية للمزلاج برودة الثلج وهو يلتصق بجلدي الشعور بأن جسدي لم يعد لي وحدي وأن الخطړ لا يهددني وحدي. تذكرت كيف تركت واقفة في الشارع وكيف قيل لي إنني عبء وكيف صار الحمل الذي كان يجب أن يكون حياة إضافية سببا للطرد.
في تلك اللحظة عرفت يقينا أن الصمت لم يعد فضيلة وأن السكوت لم يعد حكمة. أدركت أن بقائي جالسة سيكون خېانة لنفسي أولا ولطفلي ثانيا ولكل امرأة وقفت يوما أمام باب مغلق وهي تقنع نفسها بأن الصبر حل.
وحين جاء السؤال الذي يتوقف عنده الزمن
إن كان لدى أحد ما يعترض على هذا الزواج فليتقدم الآن
نهضت.
لم تكن حركتي مفاجئة فحسب بل قاطعة. كانت خطواتي في الممر الأوسط واضحة مسموعة محسوبة. مع كل خطوة كان الصمت يثقل أكثر وكانت الهمسات تتحول إلى نظرات مشدوهة ثم إلى وجوه مشدودة. توقفت على مسافة قريبة من المذبح. شعرت بثقل الأنظار على ظهري لكنني لم ألتفت.
الټفت خافيير نحوي. في اللحظة التي تعرف فيها علي تغير لون وجهه. انكمشت ابتسامته واختفى ذلك الاطمئنان المصطنع الذي كان يتدثر به. حل مكانه ارتباك واضح ارتباك لم يستطع إخفاءه مهما حاول.
قال بصوت خاڤت كأن الاسم نفسه ثقيل على لسانه
كلارا
لم أجبه فورا. نظرت إليه نظرة واحدة طويلة لم تكن غاضبة ولا متوسلة بل نظرة شخص يرى الآخر كما هو بلا أقنعة. ثم قلت بهدوء لا يشبه العاصفة التي في داخلي
مبارك.
توقع الجميع نهاية مألوفة للجملة لكنني أكملتها بطريقة لم تكن في حسبان أحد
والآن دعنا نقول الحقيقة.
فتحت الملف ببطء كمن يفتح بابا طال إغلاقه. أخرجت أول ورقة تقرير الطوارئ بتاريخ تلك الليلة تتوسطه عبارة طبية جافة عن انخفاض حرارة الجسم والعثور علي في الشارع. ثم أخرجت سجلات الاتصالات بالطوارئ أرقام وتواريخ لا تعرف المجاملة. ثم تقرير سائق الحافلة المكتوب بلغة بسيطة صادقة يذكر كيف نقل امرأة في الشهر التاسع من الحمل من وسط عاصفة ثلجية. مع كل ورقة كان الهمس يتصاعد كأن الحقيقة تكتسب صوتا خاصا بها.
قلت بصوت ثابت لا مرتفع ولا متوسل
وهذا تسجيل من كاميرا مدخل العمارة.
رفعت الهاتف. ظهر المقطع. صورتي منحنية يدي على بطني جسدي محاط بالبرد ثم صورة خافيير وهو يغلق الباب من الداخل دون أن ينظر. لم أعلق. لم أحتج إلى تعليق. الصورة قالت كل شيء.
ثم عرضت الرسالة القصيرة الباردة
لا تعودي.
وعرضت بعدها المحادثات القديمة تلك التي كان يكرر فيها أنه لا يريد أطفالا ولا يريد مسؤوليات كأن الحياة تدار بشروط مؤقتة.
كانت إلينا ريفاس العروس تنظر إلي بوجه شاحب. انتقلت نظراتها ببطء من وجهي إلى الطفلين ثم عادت إلي. بدا صوتها حين سألت مكسورا
هل هما
أجبت دون تردد
ودون تزيين
نعم.