رواية كامله


طيبة نظرة رحيمة.
هي لم تصل إلى الجبل وحدها تماما.
فكيف تقبل أن تقطع خيط الرحمة الآن
قضت أياما تفكر.
لم يكن التفكير سهلا.
كان صراعا بين الحاجة والأمانة بين الخۏف والمبدأ بين أنا والآخر.
ثم حسمت قرارها
ستنزل إلى البلدة لا لتبيع الكنز بل لتبحث عن الماضي.
أرادت أن تعرف إن كان لخوسيفينا ورثة.
أرادت أن تعرف أين انتهت الحكاية التي بدأت هنا.
أرادت أن تفعل ما تستطيع قبل أن تقول لنفسها لقد حاولت.
بحثت في السجلات.
وجدت اسم خوسيفينا كاراسكو.
وجدت تواريخ وأسماء أبناء وإشارات إلى خروجهم من المنطقة.
وجدت آثارا لكنها لم تجد خاتمة.
أدركت أن البحث سيكون شاقا لكنه واجب.
استخدمت جزءا بسيطا من الفضةوليس الذهبلتتحرك دون أن تشعل الشبهات.
أرسلت الرسائل سألت راجعت الأوراق ودونت كل شيء.
كانت تسجل كل نفقة بدقة كأنها تعد ميزانية أخلاقية لا مالية فقط.
تقدم الحمل.
وجاءت ساعة الولادة في عزلة الجبال.
كان الخۏف حاضرا لكنه لم يهزمها.
واجهت الألم بشجاعة تستند إلى ما تعرفه نساء الريف وإلى إيمانها وإلى إحساس غريب بأن البيتبكل شقوقهصار يحتضنها بدل أن يهددها.
ومع أول ضوء للفجر ولدت طفلة قوية.
بكاء صغير اخترق صمت الجبل كأنه إعلان حياة.
احتضنتها إسبيرانثا وبكت بكاء من نوع آخر بكاء النجاة.
همست وهي تقبل جبين الصغيرة
ستحملين اسم خوسيفينا
مرت الشهور وعادت الحياة إلى البيت.
صار المكان ملاذا لا خړابة.
وعاد للوحة مكانها لكن الآن لم تعد لوحة قديمة فقط صارت بوابة مصير.
وبعد عام تقريبا وصلت رسالة من الشمال.
امرأة تدعى كارمن مورينو حفيدة خوسيفينا.
كان الظرف يرتجف بين يدي إسبيرانثا.
لم يكن مجرد ورق.
كان جواب السماء على سؤالها الطويل هل هناك أحد
جاءت كارمن.
تعانقتا كما لو أن بينهما معرفة قديمة.
سلمتها إسبيرانثا كل شيء العملات المجوهرات الرسالة الميدالية.
قصت عليها القصة بلا زيادة ولا نقص وشرحت لها كل خطوة
وكل بيزو أنفقته
وكل يوم ترددت فيه بين الهرب والوفاء.
أصغت كارمن باحترام ثم قالت بصدق
أنت حارسة هذا المكان الحقيقية.
واتفقتا على تقسيم الكنز
نصف لإسبيرانثا وابنتهاحتى لا تعودا إلى الخۏف.
ونصف لمساعدة العائلة كما كانت خوسيفينا تريد.
وهكذا تغير معنى الكنز.
لم يعد مجرد ذهب مخبأ في الطين.
صار سببا لعودة صلة مقطوعة ولشفاء حزن قديم ولولادة معنى جديد.
تحول البيت إلى منارة أمل.
فتحت إسبيرانثا أبوابه لنساء يحتجن بداية جديدة كما كانت تحتاج هي يوما.
وأصبح الكنز الحقيقي هو الخير الذي تكاثر لا المال الذي يصرف.
وفي صمت الجبال حين كانت الريح تمر فوق الطين وتلامس الشقوق التي سدتها بيديها كانت إسبيرانثا تشعر أن خوسيفينا الأخرى تبتسم.
لأن الخير الصادق لا يضيع
بل يتضاعف إلى الأبد.
استيقظت إسبيرانثا قبل أن يلوح أول ضوء في السماء. برد جبال زاكاتيكاس كان ينهش عظامها يتسلل من شقوق النافذة المکسورة ليذكرها بفقرها. في الخامسة والثلاثين وجدت نفسها أرملة منذ 4 أشهر وحامل في شهرها الخامس وبلا مأوى بعد أن طردها صاحب الغرفة التي كانت تسكنها مع زوجها الراحل رامون.
بكل ما تملك من شجاعة وما تبقى من بيزوات قليلة اشترت بيتا مهجورا في أطراف القرية.. بيت كان الناس يمرون أمامه ويسرعون بخطاهم ويقولون إنه بيت النحس. 
بينما كانت تنظف الغرفة المظلمة سقطت لوحة قديمة باهتة من على الحائط لتكشف خلفها عن فجوة عميقة في الطين.. وهناك رأت شيئا يلمع ببريق غير معتاد!
مدت إسبيرانثا يدها المرتجفة داخل الفجوة. لم يكن ذهبا بل كان صندوقا حديديا صغيرا علاه الصدأ. حين فتحته وجدت بداخله مفتاحا ضخما وصورة لامرأة تشبهها لدرجة مذهلة ومعها رسالة مكتوبة بخط يد مهتز إلى من سيجد هذا البيت.. الكنز ليس فيما تراه بل فيما ستسمعه حين يصمت العالم.
في تلك اللحظة سمعت إسبيرانثا صوت
طرقات منتظمة تأتي من تحت أرضية الغرفة! هل كان هناك أحد غيرها في البيت أم أن البيت بدأ يتحدث 
لم تنم إسبيرانثا ليلتها. ظلت تتبع مصدر الصوت حتى وصلت إلى زاوية المطبخ القديم. رفعت السجادة المهترئة لتجد بابا خشبيا سريا مخفيا بإتقان. 
نزلت السلالم الحجرية وهي تحمل شمعة ترتعش في يدها.. القبو كان مليئا بصناديق خشبية مغطاة بالخيش. حين فتحت أول صندوق لم تجد مالا بل وجدت مئات الكتب النادرة واللوحات التي تعود لقرون مضت! كانت هذه هي المكتبة المفقودة لجدها الذي كان ثائرا قديما واختفى في ظروف غامضة.
ولكن وسط الكتب وجدت ظرفا أسود مغلقا بالشمع الأحمر مكتوب عليه لا تفتحي هذا الظرف إلا إذا كنت مستعدة لمواجهة الحقيقة عن مۏت زوجك رامون! 
فتحت إسبيرانثا الظرف بقلب يخفق بشدة. اكتشفت أن زوجها رامون لم يمت بشكل طبيعي بل كان قد عثر على هذا البيت قبلها وعلم بسره وكان يحاول حمايتها من عصابة كانت تلاحق إرث عائلتها المفقود.
اللوحة القديمة التي سقطت في البداية لم تكن مجرد لوحة بل كانت خريطة لمنجم فضة قديم يقع تحت ملكية هذا البيت الصغير.
النهاية باعث إسبيرانثا جزءا من الكتب للمتحف الوطني لتأمين حياتها واستخدمت الخريطة لاستعادة حق عائلتها. أصبحت أغنى امرأة في زاكاتيكاس لكنها لم تنس أصلها.. حولت البيت الزهيد إلى أكبر دار للأيتام والأرامل وسمته بيت الأمل وفي مدخله علقت نفس اللوحة القديمة التي كانت السبب في تغيير قدرها.