رواية جديدة


على شعرها يقول إن استطعت أن تساعدي فافعلي حتى لو لم يفعل غيرك.
أغمضت عينيها لحظة ثم فتحتهما بقرار لم يكن في حجم جسدها الصغير.
تعال معي قالت. ليس فندقا لكنه سقف. وسقف خير من العراء.
نهض الرجل متكئا على الحائط ثم على كتفها. كانت صغيرة لكنه شعر كأنها تمنحه توازنا لم يجده في قدميه. سارا عبر الأزقة الضيقة التي كانت تعرفها كاميلا كما يعرف المرء خطوط كفه. الحفر المنتشرة في الأرض كانت تبتلع ماء المطر القديم والظلال الطويلة تمتد كأذرع خفية. من خلف الأبواب المعدنية كانت أصوات أجهزة التلفاز تختلط بصوت أواني المطبخ وصړاخ أطفال وضحكات متعبة.
كانت تمشي بثبات يفوق عمرها تنظر خلفها كل بضع خطوات تتأكد أنه ما زال قادرا على الاستمرار. لم تكن تدرك أن حياتها تنزلق ببطء نحو منعطف لا عودة منه. لم تكن تعرف أن هذا الرجل الذي بلا اسم يحمل خلف عينيه عالما آخر عالما من ناطحات سحاب وصفقات وخيانات وأسرار مدفونة. كانت تعرف شيئا واحدا فقط أن الليل يقترب وأن الإنسان إذا ترك وحيدا في العراء قد لا يصحو.
وصلوا أخيرا إلى الكوخ الصغير المصنوع من ألواح خشبية وصفائح معدنية صدئة لكنه قائم بكرامة. كان نظيفا بطريقة تربك كأن الفقر حاول مرارا أن يقتحمه فوجد بابا مغلقا بترتيب وإصرار. في الفناء الصغير كانت الحديقة تنمو كما تنمو الأحلام في الأماكن الضيقة بصعوبة لكن بعناد. كزبرة خضراء تفوح برائحة الحياة طماطم حمراء تتدلى مثل قلوب صغيرة وجزر نحيل يخرج من التربة الجافة متحديا قسۏتها.
جدتي! نادت كاميلا. أحضرت شخصا يحتاج إلى مساعدة.
خرجت دونيا مرسيدس ببطء تمسح يديها
في مريولها القديم. كان شعرها الرمادي مرفوعا بعناية وعيناها متعبتين لكن فيهما بريقا
لا يخبو. نظرت إلى الرجل نظرة طويلة نظرة امرأة عاشت ما يكفي لتفهم أن المظاهر ليست دائما صدقا.
كاميلا ماذا فعلت هذه المرة
وجدته في المكب. هو مصاپ ولا يتذكر شيئا.
اقتربت مرسيدس خطوة نظرت إلى الساعة الذهبية إلى القماش الفاخر للبدلة إلى الحذاء الجلدي الذي لم يكن ينتمي إلى طرقاتهم الترابية.
يا بني ما اسمك
ارتجف صوته وهو يجيب
لا أعلم سيدتي. لا أتذكر.
ساد الصمت لحظة ثقيلا.
الأغنياء لا يسقطون في مكبنا مصادفة قالت مرسيدس. إما أنه يهرب من شيء أو أن أحدا أراد له أن ينسى هناك.
تقدمت كاميلا خطوة أمامه كأن جسدها الصغير سور يحميه.
جدتي إنه يرتجف. لا أستطيع تركه.
نظرت مرسيدس إلى حفيدتها فرأت في عينيها شيئا لم يكن خوفا بل اختيارا. تنهدت ببطء.
ليلة واحدة. فقط ليلة. وغدا نرى.
في تلك الليلة جلسوا حول الطاولة الصغيرة. أرز بسيط فاصولياء وقطعة لحم صغيرة كان طعمها مزيجا من التعب والامتنان. أكل الرجل بصمت ثم قال
لم أتذوق طعاما كهذا منذ زمن رغم أنني لا أتذكر متى.
رأت كاميلا دمعة تلمع في عينه قبل أن يمسحها سريعا. لم تسأله لماذا يبكي. كانت تعرف أن بعض الأسئلة تترك للوقت.
عند الفجر كان جالسا في الفناء يتأمل الساعة كما لو كانت بوصلته الوحيدة.
هل تذكرت شيئا سألته كاميلا.
ومضات فقط. الساعة منقوش عليها إلى د. س. مع الحب باتريسيا.
جلسوا إلى المائدة. قهوة خفيفة خبز قاس وصمت يفكر.
سأبيع الساعة قال فجأة. استخدموها لشراء الدواء أو لإصلاح البيت.
رفعت مرسيدس حاجبيها.
لا نأخذ ما ليس لنا.
لكنها ساعتي
وربما هي الشيء الوحيد الذي يربطك بمن كنت.
صمت طويل.
إذا دعاني أعمل قال. إن كنت سأبقى هنا أريد أن أكون نافعا.
وهكذا ولد ميغيل. اسم مؤقت لرجل مؤقت في حياة كانت تتغير ببطء. بدأ يعمل في الحديقة