رواية جديدة


يحرث الأرض يسقي النباتات يحمل الأكياس الثقيلة التي كانت تثقل كتفي كاميلا. كان يتعلم كل شيء من جديد كطفل يكتشف العالم للمرة الأولى.
ومع الأيام صار وجوده جزءا من البيت. ضحكت كاميلا أكثر. نامت مرسيدس براحة أطول. وصار الفناء الصغير يمتلئ بأحاديث لم تكن تقال من قبل.
إلى أن جاء اليوم الذي رأوا فيه الرجال الثلاثة في المكب يحملون صورة.
نبحث عن رجل مفقود. هناك مكافأة كبيرة.
شعرت كاميلا بقلبها ينقبض.
تلك الليلة سقطت مرسيدس أرضا. هرع ميغيل إليها حملها كما لو كانت كنزه الوحيد وركض نحو الشارع يطلب المساعدة. في المستشفى جلس في الممر البارد رأسه بين يديه كأنه يخشى أن يفقد ذاكرة جديدة ذاكرة هذا البيت.
التشخيص كان واضحا مشكلة في القلب. مستقرة لكن تحتاج إلى فحوص عاجلة.
نظر إلى كاميلا.
سأبيع الساعة.
لا! صړخت. إنها كل ما تبقى لك من حياتك.
ركع أمامها وضع يديه على كتفيها.
حياتي ليست في هذه الساعة. حياتي هنا معكما.
باع الساعة. دفعوا التكاليف. وتعافت مرسيدس.
ثم جاء الاسم الذي كسر الجدار في رأسه.
نبحث عن دييغو سالازار.
وفي لحظة عاد كل شيء. الشركة. الشريك روبرتو ميندوزا. الصفقة. الخېانة. الضړبة على الرأس. الظلام. زوجته باتريسيا. ابنته دانييلا.
أنا هو أنا دييغو سالازار.
عاد إلى بولانكو. إلى الأبراج الزجاجية. إلى القاعات الواسعة. عانق ابنته التي كبرت في غيابه. واجه الشريك في المحاكم. وواجه نفسه في المرآة.
لكنه لم يعد الرجل نفسه.
عاد دييغو مرارا إلى الكوخ الصغير لا بصفته رجل أعمال ولا بصفته صاحب اسم معروف في الصحف بل بصفته إنسانا يبحث عن شيء لا يشترى. كان يترك سيارته الفاخرة في أول الشارع ويسير ما تبقى من الطريق على قدميه كأنه يريد أن يشعر بخشونة الأرض تحت حذائه أن يتذكر كيف كانت الخطوات الأولى بعد أن فتح عينيه في المكب بلا اسم ولا ماض.
أحضر دانييلا معه في إحدى المرات فتاة نحيلة بعينين حذرتين اعتادت الجدران اللامعة والسقوف العالية. جلست على الكرسي الخشبي ذاته الذي جلس عليه والدها يوم كان يدعى ميغيل. أكلت الأرز ذاته وغمست الخبز في الفاصولياء ذاتها وضحكت للسبب ذاته الذي جعل أباها يبتسم يوما لأن البساطة حين تكون صادقة تشبه الدفء.
في البداية كانت دانييلا تنظر حولها بفضول مشوب بالدهشة. لم تكن تعرف كيف تتحدث إلى كاميلا ولا كيف تبدأ صداقة في مكان لم تعشه من قبل. لكن الأيام صنعت بينهما جسرا هادئا. كانت كاميلا تريها الحديقة تشرح لها كيف تزرع الكزبرة وكيف تنقى التربة من الحصى وكيف يسقى الجزر في الصباح الباكر قبل أن تشتد الشمس. وكانت دانييلا في المقابل تحكي عن مدرستها وعن الكتب التي تقرؤها وعن المدينة التي لا تنام.
ومرت الأعوام كما تمر الريح على البيوت الصغيرة تترك أثرا خفيفا لكن عميقا.
باتريسيا التي اعتادت حياة من الأضواء والمناسبات وجدت نفسها تبدأ من جديد. لم يكن الأمر سهلا. خسړت جزءا من ثروتها وخسړت صورة كانت
تتمسك بها. لكنها تعلمت العمل بيديها تعلمت أن تدير مشروعا صغيرا وأن تواجه العالم بلا مظلة اسم زوجها. شيئا فشيئا تغيرت. لم تعد المرأة التي تقاس قيمتها بعدد الحفلات التي تحضرها بل بعدد القرارات التي تتحمل مسؤوليتها.
أما دانييلا فقد تأثرت أكثر مما توقعت. كانت زياراتها للكوخ تزرع في
داخلها أسئلة لم تكن تخطر لها في بولانكو. لماذا يعيش البعض بكل هذا الضيق وآخرون بكل هذا الاتساع لماذا يولد طفل بلا فرصة وآخر محاط بكل شيء تلك الأسئلة قادتها إلى دراسة العمل الاجتماعي. أرادت
أن تفهم لا