رواية كامله كنتُ أسرق طعامه كلّ يوم… حتى علّمتني قطعة خبز معنى الغِنى الحقيقي


في داخلي لن يعود كما كان.
فكرت في حقيبة طعامي الفاخرة وفي أمي التي لم تسألني منذ أيام عن يومي
وفي نفسي التي كانت ممتلئة بكل شيء إلا المعنى.
اقتربت من توماس وركعت أمامه وسط ذهول الجميع.
التقطت الخبز كأنني ألتقط ذنبا ومسحته وأعدته إليه مع الرسالة.
ثم أعطيته طعامي.
وجلست بجانبه.
ذلك اليوم لم آكل.
ذلك اليوم بدأت أفهم.
ومن هنا بدأت القصة الحقيقية.
جلست إلى جوار توماس ذلك اليوم ولم أعرف ماذا أفعل بيدي.
كانتا معتادتين على الأخذ لا على العطاء.
على الإمساك لا على التردد.
لم ينظر إلي في البداية.
ظل يحدق في الخبز والورقة كأنه يخشى أن يكون ما حدث حلما سينكسر إذا رفع رأسه.
قلت له بهدوء لم أعرفه من قبل
كل الطعام طعامك الآن.
لم يقل شكرا.
لم يقل شيئا أصلا.
لكن كتفيه ارتختا قليلا وكأن ثقلا هائلا انزاح عنهما.
ذلك الصمت كان أول درس حقيقي أتلقاه في حياتي.
بعد ذلك اليوم تغير كل شيء ببطء وبصعوبة وبدون معجزات.
لم أصبح فجأة محبوبا.
ولم يتحول الماضي إلى صفحة بيضاء.
الضحكات التي كنت أعيش عليها صارت تخنقني.
نظرات الخۏف في عيون الآخرين بدأت تطاردني حتى في أحلامي.
وكل مرة حاولت أن أضحك أو أسخر كان وجه أم توماس ينهض أمامي
وتلك الجملة البسيطة تتردد في رأسي
لم أتناول الفطور هذا الصباح كي تأكل أنت.
بدأت ألاحظ أشياء لم أكن أراها من قبل.
لاحظت أن توماس يكتب واجباته بعناية مبالغ فيها لا لأنه مجتهد بطبعه بل لأنه ېخاف أن يخيب أمل أحد.
لاحظت أنه يعتذر كثيرا حتى حين لا يخطئ.
وكأن الفقر علمه أن يعتذر عن وجوده.
وذات مرة سألته
لماذا تدرس كل هذا
نظر إلي باستغراب ثم قال ببساطة
لأن أمي تتعب كثيرا ولا أريد أن أكون سببا آخر لتعبها.
في تلك اللحظة شعرت بصغر نفسي كما لم أشعر من قبل.
مرت
أيام ثم أسابيع.
بدأت أترك له جزءا من طعامي كل يوم دون استعراض.
لا أمام الناس ولا طلبا للغفران.
فقط لأن ذلك صار طبيعيا.
وفي أحد أيام الجمعة جمعت شجاعتي وسألته إن كان بإمكاني زيارة أمه.
تردد قليلا ثم وافق.
ذهبنا معا بعد المدرسة إلى حي لم تطأه قدماي من قبل.
شوارع ضيقة بيوت متقاربة
وروائح
طعام بسيطة تختلط
برائحة التعب.
استقبلتنا امرأة نحيلة يداها خشنتان من العمل لكن عينيها كانتا دافئتين بشكل أربكني.
ابتسمت لي ابتسامة صادقة تلك الابتسامة التي لا تصنع ولا تدرب.
قالت
تفضل البيت بيتك.
حين قدمت لي فنجان قهوة أدركت أنها على الأرجح آخر ما تملكه من شيء ساخن في ذلك اليوم.
جلست هناك أحتسي القهوة وأستمع إلى حديثها عن العمل وعن التعب وعن خۏفها الوحيد
أن يكبر ابنها وهو يشعر بالنقص.
لم تتذمر.
لم تشتك.
كانت تحكي وكأن الټضحية أمر عادي.
وحين نظرت إلي وقالت
توماس طيب أرجو ألا يؤذيه أحد
شعرت بأن الكلمات موجهة إلي مباشرة.
في تلك الليلة عدت إلى قصرنا الكبير.
لكنه للمرة الأولى بدا لي أصغر من أي وقت مضى كأن الجدران العالية انكمشت وكأن المساحات الواسعة فقدت قدرتها على إبهاري.
كان الصمت يملأ المكان لا صمت الراحة بل صمت الفراغ ذلك الصمت الذي لا يجاوبه صوت قلب أو دفء إنسان.
مررت في الممرات الطويلة التي طالما ركضت فيها طفلا فلم أسمع سوى وقع خطواتي.
لا ضحكات لا أسئلة لا أحد ينتظرني عند الباب.
دخلت غرفتي وأغلقت الباب خلفي ببطء كأنني أخشى أن أزعج شيئا نائما في داخلي.
جلست على طرف السرير وأخذت أتأمل ملابسي المعلقة بعناية تلك التي تحمل أسماء لامعة وألوانا باهظة الثمن.
نظرت إلى حذائي الجديد إلى ساعتي إلى هاتفي الذي لا يفارق يدي.
كل ما كنت أظنه يوما ثروة بدا لي فجأة بلا روح بلا معنى كأشياء جميلة لكنها
صامتة لا