رواية كامله كنتُ أسرق طعامه كلّ يوم… حتى علّمتني قطعة خبز معنى الغِنى الحقيقي


تمسك يدك حين تسقط ولا تسأل عنك حين تتألم.
لم أر في تلك الأشياء شيئا يشبه ما رأيته في ذلك البيت الصغير.
ذلك البيت الذي ضاق بجدرانه لكنه اتسع بقلب يتسع للجوع والحب معا.
بيت لم يملك الكثير لكنه امتلك ما لم أعرفه أنا طوال حياتي الټضحية.
عندها فقط فهمت أخيرا ما لم يعلمني إياه أحد.
لا في المدرسة حيث تلقى الدروس كقواعد جافة
ولا في البيت حيث كان كل شيء متوفرا إلا الإصغاء
ولا في الخطب الطويلة عن القيم والأخلاق التي تقال بسهولة ولا تعاش.
فهمت أن الغنى ليس ما تملكه في خزانتك من ملابس
ولا ما تحمله في جيبك من مال
ولا ما يلمع في معصمك أو في جيبك الخلفي من رموز يظنها الناس قيمة.
الغنى
هو ما تستطيع أن تتخلى عنه دون أن تخسر نفسك
وما تستطيع أن تعطيه دون أن تشعر بأنك تنتزع من داخلك قطعة
وما تقدمه لأنك إنسان قبل أن تكون صاحب فضل.
ومنذ ذلك اليوم لم يتغير شكلي كثيرا
لم تتبدل ملامحي ولم تختف ملابسي الباهظة
لكن مساري تغير بالكامل وكأن طريقا جديدا فتح أمامي لم أكن أراه من قبل.
لم أعد أنظر إلى الناس من عل
ولا أبحث عن ضحكة تبنى على ألم غيري
ولا أستمد شعوري بالقوة من إضعاف الآخرين.
لم أصبح ملاكا
ولا بطلا تروى عنه القصص
ولا مثالا كاملا يحتذى
لكنني أصبحت إنسانا يحاول ويحاول بصدق
يحاول
أن يصلح ما كسر ولو ببطء
ويحاول أن ينصت أكثر مما يتكلم.
بدأت أختار كلماتي كما يختار الطريق في ليلة معتمة
وأحسب خطواتي قبل أن أقدم عليها
وأتوقف قبل أن أؤذي حتى لو كان الأڈى مجرد مزحة كما كنت أسميها سابقا
لأنني أدركت متأخرا أن المزاح حين يجرح لا يكون مزاحا.
ووعدت نفسي وعدا حقيقيا
وعدا لم أعلنه ولم أحتج أن يسمعه أحد سواي
لكنني كنت أعرف في أعماقي أنه وعد لا يحتمل الخېانة
ما دام في جيبي مال
وما دام في قلبي وعي
وما دام في صدري شيء يشبه الضمير
فلن تجوع أم توماس مرة أخرى
ولن يشعر هو يوما أن كرامته قابلة للمساومة أو السخرية.
ولم يكن ما فعلته بعدها صدقة
ولا محاولة لتلميع صورة أو تكفير ذنب علني
كان دينا.
دينا ثقيلا نعم
لكنه دين جميل
لأنه لا يثقل الروح بل يحررها.
دينا لقطعة خبز قاسېة
لم تشبع معدة طفل فحسب
بل أيقظت إنسانا كان نائما في داخلي
إنسانا لم يعرف أنه كان غائبا حتى تلك اللحظة.
تلك القطعة الصغيرة علمتني درسا
لم تعلمه لي قصورنا
ولا مدارسنا المزينة
ولا أموالنا التي كانت تتكاثر دون أن تضيف شيئا إلى أرواحنا
أن هناك أناسا يملكون جيوبا فارغة
لكن قلوبهم ممتلئة حتى الفيض
وأن هناك آخرين يملكون كل شيء
ولا يملكون أنفسهم.
وهكذا اكتشفت أخيرا الحقيقة التي كنت أهرب منها طويلا
الحقيقة التي كانت تلاحقني في صمت
أنني لم أكن أسرق طعام زميلي كل يوم
بل كنت أسرق من نفسي آخر فرصة لأكون إنسانا جديرا باسمه.
لكن تلك الرسالة الصغيرة
المكتوبة بحبر أم جائعة
وبقلب ممتلئ بالحب أكثر من الخبز
لم تنقذ توماس وحده
بل أعادتني أنا أيضا
وأعادت إلي إنسانيتي التي ظننت يوما أن المال يغني عنها.
نزلت من فوق الطاولة والهدوء ساد المكان.. زملائي كانوا مستنيين النكتة الجديدة، لكن ملامح وجهي كانت كفيلة إنها تسكتهم. طويت الرسالة وحطيتها في جيبي وكأني خبيتها جوه قلبي. بصيت لياسين، كان لسه واقف مكانه، أكتافه منحنية وكأنه شايل جبال.
مديت إيدي بالكيس الورقي وقلت له بصوت واطي ومبحوح آسف.. يا ياسين. المدرسة كلها شهقت.. البرنس بيعتذر؟ ياسين رفع راسه وبص لي بدهشة، الدموع كانت لسه على خده، أخد الكيس ببطء ومشي من غير ولا كلمة.
رجعت البيت، القصر اللي كنت
فاكره جنة،
شفته كأنه سجن