ترمّلت وهربت بسبعة أطفال إلى مغارةٍ كان الجميع يخشاها… لكن ما كشفه الجبل هناك غيّر مصيرهم إلى الأبد!


على وطئه منذ أجيال.
كان الشيوخ يقولون إن أرواحا عالقة تسكن هناك وإن الأرض تتنفس كحيوان نائم وإن من يدخل لا يعود كما كان أبدا.
لكن لم يكن أمام إلينا خيار آخر.
إما تلك المغارة
وإما مۏت محقق على أيدي رجال دون روتيليو.
ادخلوا! بسرعة! صاحت بصوت مزقته الريح.
تردد الأطفال. حتى تونيو الثابت دائما تراجع خطوة إلى الخلف.
أمي هناك هناك في الداخل يعيش المۏتى تمتمت لوسيا.
نظرت إليهم إلينا واحدا واحدا. أضاء البرق وجوههم عيون ممتلئة بالخۏف بالجوع وبمصير لم يكن ينبغي لهم أن يحملوه.
إن كنا سنموت فليكن معا همست وهي تدفعهم برفق نحو الظلام.
ودخلوا.
ابتلعتهم المغارة كفم عملاق يبتلع الضوء. خمد هدير الخارج فجأة. في الداخل كان كل شيء صمتا لا يقطعه إلا تقاطر الماء المتواصل عبر الصواعد.
تقدمت إلينا متلمسة الطريق وماتيو ملتصق بصدرها. كانت رائحة التراب المبلل عميقة حتى كأنها بطعم الصدأ. التقط تونيو غصنا رطبا من الأرض وأشعله بعود الثقاب الذي كان أبوه يحمله دائما في جيبه. أضاء لهب مرتجف الجدران نقوش محفورة قديمة أقدم من القرية نفسها تحكي قصص رجال وجبال.
من صنع هذا همست ماريا.
أسلاف قدامى أجابت إلينا من غير أن تدري من أين جاءت تلك الثقة الذين كانوا يصغون إلى الأرض.
وفجأة سرت رجفة خفيفة في الأرض كزفرة عميقة. بدأت آنا تبكي.
أمي المغارة تتحرك
ليست المغارة يا ابنتي تمتمت إلينا إنه الخۏف.
لكنها شعرت به أيضا. اهتزازا دافئا كنبض خاڤت كأنه صادر من قلب الجبل نفسه.
واصلوا التقدم حتى انفتحت المغارة على قاعة هائلة. في الوسط فوق كومة من حجارة ملساء كان هناك شيء جعل إلينا تهوي على ركبتيها.
مذبح.
لكن ليس مذبحا عاديا.
فوقه ملفوفا بالغبار وخيوط العنكبوت كان شيء تعرفه جيدا صليب من فضة.
ليس أي صليب.
إنه الصليب
الذي كان مانويل زوجها يعلقه في عنقه منذ يوم زواجهما.
هو نفسه الذي لم يعثروا عليه حين أخرجوه مېتا من تحت الأنقاض.
مانويل أنت وهي تلمس الصليب بأصابع مرتجفة ماذا كنت تفعل هنا
التف الأطفال حولها في صمت يشبه صمت المقاپر. لم يكن في أعينهم
سوى سؤال واحد لا يجرؤون على صياغته. وكان تونيو أول من تجرأ على كسر ذلك السكون الثقيل.
أمي أتظنين أن أبي جاء إلى هنا قبل أن ېموت
كان صوته مبحوحا لا من البكاء بل من محاولة التماسك. لم يعد طفلا تماما لكنه لم يكن رجلا بعد.
أومأت إلينا ببطء وغصة حادة تعتصر حلقها.
أظن قالت وهي تحدق في الصليب أنه أراد أن يترك لنا أثرا علامة طريقا.
مدت أصابعها المرتجفة إلى الصليب الفضي ومسحت عنه طبقة الغبار المتراكم. بدا الضوء المنعكس عليه خاڤتا لكنه ثابت كنبض لا يريد أن يخبو.
وفجأة
اهتز الهواء.
لم يكن صوتا بل إحساسا. شيء تغير في داخل المغارة. كأنها تنفست بعد سبات طويل.
بدأت الجدران تتوهج.
ليس توهج ڼار أو شعلة بل إشراقة داخلية كأن الحجر نفسه ينبض. النقوش المحفورة تلك الخطوط القديمة والرموز المتشابكة والدوائر الحلزونية بدأت تستيقظ. كل خط اشټعل ببريق ذهبي وكل رمز أضاء كنجمة صغيرة.
انعكس الضوء على وجوه الأطفال. على عيونهم الواسعة. على شفاههم المرتعشة.
تراجعت إلينا خطوة وهي تضم ماتيو إلى صدرها بقوة.
ما هذا
لم يكن السؤال موجها لأحد. كان موجها للغيب.
ومن عمق القاعة
انبثق صوت.
غليظ.
عميق.
كأن مئات الأصوات تتنفس في وقت واحد.
لم يكن ټهديدا.
لم يكن ڠضبا.
كان حزنا قديما.
كصلاة تقال منذ قرون.
أمي همس خوان المغارة تبكي.
نظرت إلينا إلى الأعلى.
كانت قطرات الماء تتساقط من السقف لكن الصوت لم يكن صوت ماء فقط. كان رجع أنين ممتد يتردد بين الصخور.
وعندها فهمت.
لم تكن المغارة مسحورة.
كانت مأوى.
ملجأ حفره