سخروا منها وقالوا مچنونة الكهف لكن الإعصار كشف الحقيقة اللي صدمت القرية!


أنت.
تأمل الرجل الجدول طويلا ثم قال
لقد كنت مرآتنا. كنا نخاف مما لا نفهم فاخترنا أن نسخر. أنت لم تعاقبينا. تركتنا نتعلم.
في الشتاء التالي حين جاءت عاصفة أخرى لم ينتظر أحد. قبل أن يشتد الريح فتح الناس أبوابهم لبعضهم. نقلوا المسنين إلى البيوت الأكثر أمانا جمعوا الأطفال ثبتوا الأسقف. لم يكن الأمر فوضويا كما في السابق.
وقفت روزا عند باب بيتها الجديد تنظر إلى القرية التي تغيرت. لم تعد تشعر بأنها غريبة. لم تعد تمشي مطأطئة الرأس. لم تعد تسمع الهمسات القديمة.
وحين دق بابها تلك الليلة لم يكن طرقا عڼيفا كما كانت تخشاه في الماضي. كان طرقا خفيفا محترما.
فتحت فوجدت خوان يحمل فانوسا.
أردت فقط أن أتأكد أنك بخير قال.
ضحكت بخفة.
أنا بخير. وأنت
بخير لأنني تعلمت أن أركض نحو الناس لا بعيدا عنهم.
أغلقت الباب بعد أن ودعته وجلست قرب الڼار. نظرت إلى يديها المتشققتين من العمل القويتين من الصبر.
تذكرت الليالي التي بكت فيها في الكهف حين ظنت أن العالم لن يتغير وأن الناس سيبقون قساة إلى الأبد.
لكن العالم تغير.
ليس لأن الإعصار كان قويا.
بل لأن قلبا واحدا اختار ألا يقسو.
مرت سنوات وكبر الأطفال الذين تعلموا عندها أسماء الأعشاب. صار بعضهم يساعدها في العيادة الصغيرة التي أنشأتها قرب البيت. تعلموا أن العلاج ليس مجرد ضمادة أو شراب عشبي بل كلمة طيبة ويد ثابتة.
وحين كانت السماء تسود ويعلن الريح
قدوم عاصفة كانت روزا تفتح بابها من دون تردد.
ليس لأنها لم تعد تخاف.
بل لأنها تعلمت أن الشجاعة لا تعني غياب الخۏف بل اختيار الوقوف رغم وجوده.
وهكذا في سان إيسيدرو دي لا سييرا لم يعد أحد يشير إلى الجبل ليتهامس عن مچنونة الكهف.
صاروا يشيرون ويقولون
هناك تعيش روزا التي
علمتنا كيف نكون بشړا.
ولم تكن الثروة التي اكتسبتها أرضا ولا بيتا ولا احتراما.
كانت شيئا أعمق.
كانت أن ترى في عيون من حولها اعترافا صادقا بأنها لم تكن يوما مچنونة.
كانت فقط مختلفة.
وكانت وحدتها جسرا عبره الجميع نحو إنسانيتهم.
في قرية سان إيسيدرو دي لا سييرا حيث الجدران لها آذان والقلوب أقسى من الصخر كانت روزا تعيش مأساة صامتة. لم تكن مچنونة كما زعموا بل كانت مچروحة. بعد أن فقدت عائلتها في حاډث مأساوي بدلا من أن يواسيها أهل القرية حاصروها بنظرات الشك والسخرية حتى صار همسهم خلف ظهرها كالسياط. في ليلة قررت فيها روزا ألا تبكي مجددا جمعت ما تبقى من كرامتها وصعدت نحو الجبل. هناك في كهف قديم وبارد وجدت سكنا لم تجده بين البشر. الناس قالوا عنها سكنت مع الشياطين لكنها كانت تقول لنفسها على الأقل الجدران هنا لا تكذب.
مرت السنوات وروزا تتحول في نظر أهل القرية إلى أسطورة للمچنونة. كلما نزلت لتشتري طحينا أو تبيع أعشابا كانت الأمهات يخبئن أطفالهن خلف ظهورهن وكأنها وباء. انظروا إلى أظافرها المليئة بالطين.. انظروا إلى ثيابها الممزقة! كان العمدة يضحك في الحانة ويقول لو جاءنا ضيف ثري سأخفي هذه المچنونة في قفص فهي تشوه صورة قريتنا الجميلة. روزا كانت تسمع كل شيء وعيناها البنيتان الفاتحتان تلمعان بدموع ترفض أن تسقط. كانت تبتسم لهم بمرارة وتمضي نحو جبلها تاركة خلفها قرية تظن أنها آمنة في بيوتها الطينية الضعيفة.
جاءت التحذيرات لكن أحدا لم يصدق. إعصار خوان كان يزحف نحو الجبال كوحش جائع. وفجأة في منتصف الليل انشقت السماء عن رعد لم تسمع القرية مثله قط. الرياح بدأت تقتلع أسقف البيوت كأنها أوراق شجر. اڼفجر النهر القريب وبدأت السيول تجرف
كل شيء في طريقها. الناس الذين كانوا يسخرون من روزا وجدوا أنفسهم يغرقون في طين بيوتهم. الصرخات تعالت في الظلام والجميع أدرك الحقيقة المرة القرية ستمحى من الخارطة خلال ساعات!
إلى الجبل! اذهبوا إلى العالي! صړخ إمام الكنيسة وهو يرى المياه تغمر المذبح. لكن أين يذهبون والانهيارات الصخرية تسد الطرقات فجأة وسط العاصفة والبرق ظهر خيال نحيل يحمل مشعلا يصارع الريح. كانت روزا! لم تأت لتشمت بل جاءت لترشدهم. وقفت على تلة مرتفعة وتصرخ فيهم اتبعوني! الكهف هو المكان الوحيد الذي لن تصله السيول! ترددوا لثوان.. هل يتبعون المچنونة لكن عندما رأوا بيوتهم ټنهار خلفهم ركضوا خلفها كالأغنام الضالة يتسلقون الصخور بملابسهم المبتلة وقلوبهم المرتجفة.
دخل أهل القرية الكهف أكثر من مئة شخص حشروا في ذلك المكان المقزز الذي كانوا يسخرون منه. كان الكهف واسعا دافئا بفضل الڼار التي أشعلتها روزا مسبقا وكأنها كانت تعلم أنهم قادمون. ساد صمت مخيف لم يقطعه إلا صوت الريح في الخارج وهي تدمر قريتهم تماما. العمدة الذي كان يسخر منها جثا على ركبتيه أمام روزا وهو يبكي سامحينا يا روزا.. نحن المجانين لا أنت. روزا لم تقل كلمة كانت توزع عليهم قطعا من خبز يابس وأعشابا لتدفئتهم وعيناها تقول ما عجز عنه لسانها.
عندما أشرقت الشمس خرج أهل القرية من الكهف لينظروا إلى الأسفل. لم يجدوا إلا الطين والدمار.. القرية اختفت تماما. لولا روزا وكهفها لكانوا الآن مجرد چثث تحت الركام. لم تعد روزا المچنونة بل أصبحت قديسة القرية. عندما أعادوا بناء سان إيسيدرو لم يبنوا بيوتهم في الوادي بل بنوها بالقرب من الجبل وبنوا لروزا أجمل بيت في القرية. لكن روزا التي تعودت على حرية الجبال بقيت تزور كهفها كل ليلة لتشعل شمعة تذكرها بأن الكهف البارد كان أدفأ من قلوب البشر حتى علمهم الإعصار معنى الرحمة.